عبدالحميد العمري

الإصلاح المالي والاقتصادي من 2017 ــ 2020

على افتراض أن أمورنا المالية والاقتصادية تركت لتمضي على سيرتها الأولى، دون إجراء أي إصلاحات هيكلية للاقتصاد الوطني، فإن من النتائج الحتمية الأدنى سوءا التي كنا سنصطدم بها بحلول 2020 على سبيل المثال لا الحصر؛ ارتفاع الدين الحكومي إلى أعلى من 737 مليار ريال أو تزيد، انطفاء أرصدة الاحتياطيات الحكومية، ارتفاع العجز المالي سنويا إلى مستويات تراوح بين 424 مليار ريال ونحو 484 مليار ريال، لتؤدي مجتمعة إلى اضطرار المالية الحكومية لخفض النفقات الرأسمالية (الإنفاق على المشاريع التنموية) بما لا يقل عن 90 في المائة، وخفض النفقات التشغيلية بنسبة لا تقل عن 30 في المائة، والاضطرار أيضا إلى خفض رواتب موظفي الحكومة ونفقات التقاعد وكافة موظفي القطاع العام بالنسبة نفسها أو أعلى، ليدخل الاقتصاد الوطني نفقا مظلما من الكساد طويل الأجل، سيترتب عليه ارتفاع معدلات البطالة بنسب تفوق احتمال أي مجتمع، إضافة إلى تراجع الثقة بقطاع الأعمال وبيئة الاستثمار المحلية، وتعرض الاستقرار المالي للبلاد لهزات عنيفة جدا، وخضوع الريال السعودي لضغوط هائلة تهوي بقيمته في أسواق الصرف العالمية.

الأمر هنا ليس في خانة الخيارات المتاحة أو المشرعة الأبواب، نأخذ منها ما نشاء وندع ما نشاء، إنما هو خياران لا ثالث لهما، أحلاهما مر لكنه الخيار الأنسب وإن كابدنا معه بعض الضيق، وإنما الآخر المشار إلى بعض نتائجه المنتظرة في منظور الأعوام القليلة المقبلة هو الجحيم بعينه!

إن استجماع القوى والموارد المتاحة في الوقت الراهن، وإعادة صياغة خريطة الطريق إلى المستقبل، الأمر الملح الذي طالما كان منشودا العمل به وتنفيذه طوال العقد الماضي، عبر انتهاج عديد من السياسات الاقتصادية والمالية المعصورة عصرا في آلة الإصلاح الشامل، أثبتت الأيام والسنوات أنه الخيار الأجدى، وأن الارتماء غير الرشيد وغير الآمن في أحضان النفط المتقلب الأوضاع، هو الانتحار بعينه!

كانت الورقة الأكثر ضجيجا لدى عموم أفراد المجتمع بين أوراق حزمة الإصلاح الاقتصادي والمالي، التي تبنتها الحكومة أخيرا؛ ورقة معالجة الدعم الحكومي على أسعار استهلاك الطاقة والمياه، حيث التقط الغالبية منهم جزء ارتفاع التكلفة على كاهل ميزانيتهم الخاصة، دون النظر إلى البدائل الأخرى التي ستمتص من جانبٍ آخر صدماتها الموجعة دون شك. إنها الآلية التي تستهدف تركيز الدعم بصيغته المعممة سابقا، التي كانت تذهب للجميع (أثرياء، مستحقين، غير سعوديين) دون أي تمييز، ليعاد تصميمها على أساس الاستحقاق الذي يحقق فعليا الغرض من إقرارها، وخروجا من المأزق الاقتصادي بل والتنموي الذي انحدرنا إليه في الوقت الراهن، وقد ننحدر أكثر إلى أدنى منه لكن بعد أن نفقد أي خيارات للإنقاذ والنجاة.

أظهرت الآلية السابقة أن 30 في المائة فقط من فاتورة الدعم الحكومي المعمم، هي كل ما تحصلت عليه الشرائح الاجتماعية الأحق قبل غيرها به، التي تتجاوز نسبتها 40 في المائة من إجمالي المجتمع السعودي، فيما ذهب 70 في المائة من تلك الفاتورة الباهظة الثمن (قدرت بـ 300 مليار ريال في 2015، ونحو 354 مليار ريال في 2014) إلى شرائح السكان الأكثر ثراء وغير السعوديين!

لهذا انتهجت سياسات الإصلاح الأخيرة في أول خطواتها الجادة، معالجة هذا الملف عاجلا، مع الأخذ بعين الاعتبار في الوقت ذاته، تجنيب شرائح السكان المستحقة للدعم أي صدمات تضخمية محتملة، منطلقة إلى تحقيق هذه الغاية بالاعتماد على الحساب الموحد لكل مواطن، ووضعت له المواعيد والآليات التي تكفل تحققه بأعلى نسبة من النجاح. ويؤمل هنا أن تتوخى الأجهزة الحكومية المعنية بهذا الملف أعلى درجات الحيطة والحذر، سواء من حيث تقدير معايير الاستهلاك الرشيد، أو من حيث البدل النقدي الذي سيتم دفعه شهريا للمستفيد، وأخذ عديد من الاعتبارات الاجتماعية والمناخية والبيئية حتى الاقتصادية بعين اهتمامها، والمراقبة اللصيقة للتطورات والمتغيرات التي ستلي المراحل الأولى من التطبيق الفعلي للآلية الجديدة لتوزيع الدعم الحكومي، وهو ما تم التصريح به أثناء جلسات الأجهزة المعنية بالتزامن مع إعلان الميزانية الحكومية الأخيرة.

وللأهمية القصوى لهذه الملفات والمسارات الإصلاحية لنا كمجتمع واقتصاد، وضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة أي متغيرات غير محسوبة أو متوقعة، يمكن أن تؤثر في أهداف “رؤية 2030″، وما يتبعها من برامج ومبادرات، فلا بد من إيلائها الحديث والنقاش المستفيض طوال الفترة القادمة، وهو الأمر المأمول من الجميع كل حسب اختصاصه واهتمامه. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الاقتصادية”