محمد الساعد

الصحافة في عين العاصفة !

الصحافة في عين العاصفة !

ماذا يعني أن نصحو ذات يوم بلا مؤسسات صحفية بلا صحف بلا منصات إعلامية وطنية، خطر ذلك أشبه بخطر أن تفقد محطات تحلية المياه في بلد بلا أنهر، وتغلق صوامع الغلال في وطن غير زراعي، وأن تتعطل سلاسل الإمداد في بلدك، نعم المعرفة رديفة الحياة، وحماية العقول مثل حماية الأنفس.

لنتخيل أن يصبح ويمسي السعودي على ما يقرأه في صحيفة العرب القطرية، أو تشرين السورية، أوالبيان الإماراتية، أوالقبس الكويتية، أو الأهرام المصرية، ثم يعرج على النيويورك تايمز والواشنطن بوست والديلي ميل والدير شبيغل، ليس خطأ ان يطلع على ما يكتبه الآخرون، لكن من المهم أن يعرف موقف بلاده مما يقال وهو ما توفره صحافته الوطنية.

من سيبني الرأي العام «السعودي» الصلب أمام التحديات، من سينير العقل الجمعي من الأخطار المحدقة والمؤامرات التي تحاك، من سيكشف الخونة، من سيعري الخطط التي تستهدف الأوطان، نعم صحف الدول الأخرى ستدافع عن بلدانها وتقدم وجهات نظرها، وذلك حقها، لكننا لا نريد أن تبقى لوحدها، نريد أن نكون بجانبها وإذا تطلب الأمر مواجهتها وتعريتها وكشفها.

الصحافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه أو ترحيله، ليست سوفنيرا يمكن تأجيل اقتنائه، ليست محل بقالة في آخر الحارة يترك لقانون السوق من يصمد أهلا به ومن يسقط فهو طريقه وخياره، هي مسدس اليوم، ومدفع الجيش، وصاروخ الدولة، إنها أمنها القومي بلا حياد.

بلا شك الصحافة عليها أن تحدث من أعمالها وفق النظم الإدارية الحديثة، وأن تتواءم مع الحوكمة الإدارية والمالية قبل أن تطالب بريال واحد يدخل إليها داعما مجهودها التحريري والإعلاني، الدولة أو المستثمر ليست جمعيات خيرية، وهي تريد أن تتأكد أن كل هللة تصرف ستذهب في مكانها الصحيح وستعود إليهم ذات يوم بقيمة مالية ومهنية يمكن قياسها وتلمسها.

عاشت الصحافة السعودية عصرها الذهبي في الفترة ما بين 1980، 2010، ثلاثة عقود ذهبية تدفقت أموال الإعلانات والاشتراكات على جيوب الملاك، الجميع فوجئ، توسعوا باتجاه الصحافة التقليدية لم يلتفتوا إلى الأفق، كان هناك من يلوح لهم بخطورة المنحدر في نهاية الطريق والأرض الجدباء التي يسافرون إليها، وأن عليهم أن يغيروا المسار عبر جسر التقنية، تأخروا تمهلوا على أمل أن يبقى نهر المال متدفقاً، لكنه جف سريعاً، كانت هناك مؤشرات توحي بالخطورة لكنهم لم يفكروا أن الزمن سيتبدل سريعاً، نعم ربما تباطأوا ربما لم يستوعبوا التغيير.

وللإنصاف أيضا قامت الصحافة بواجبها الوطني على أكمل وجه، كانت وما زالت جيشا من المحررين والكتاب في وجه الأعداء والمخاطر والحروب الإعلامية، من الناصرية والشيوعية والبعثية والإخوانية وحتى حروب اليسار التي تداهمنا اليوم.

فبينما كان البعض من مخرجات اليسار العربي أو اليمين الإسلاموي المتطرف ينثر ولاءه للمقطم غربا وطهران شرقا، أو يتغنى بالناصرية والبعثية والشيوعية والإخوانية، عرفت الصحافة واجبها الوطني وآمنت به وأدته دون منة، وبقيت على العهد بها حافظة للسر مؤتمنة على خيارات الوطن صامدة في وجه العواصف، هضمت الخيارات السياسية وشرحتها للمواطن، ولم تقف ضدها وتعطلها، تماهت معها وأبدت وجهة نظر لا تشق الصف ولا تعطل المشروع، وواجه الصحفيون بصدور مفتوحة نقمة الإرهابيين والظلاميين، وحتى المجتمع كان معبأ ضدهم، ومع ذلك لم يسمحوا لأحد باختراقهم وتحويلهم لعملاء.

اليوم تقف الصحافة السعودية في عين عاصفة فقر الموارد وتراجع الإيرادات، تكاد لا تستطيع أن تدفع اشتراك وكالة أنباء عالمية لا يزيد على بضع مئات من الدولارات، أو تكاليف استضافة الموقع الإلكتروني، مصاريف صغيرة جدا، فما بالنا برواتب عامليها، نحن اليوم أمام تحد حقيقي، هل نكمل المشوار الذي بدأته صحافة الأفراد ثم صحافة المؤسسات، لنصل إلى صحافة الديجيتل ومواكبة التقنية، أم نقف على الأطلال.

السؤال الكبير: هل من المجدي أن نعوم الصحافة ونعيد الحياة إلى مفاصلها..

بلا شك.. فالصحافة اليوم وليس غدا في حاجة ماسة لتدخل عاجل ينقذها من مصير محتوم، ربما يأتي هذا الدعم من الحكومة مباشرة أو من خلال استثمارات من الصناديق الكبيرة في الدولة، التفاصيل غير مهمة.. لأنها مكتسب وطني لا يمكن التفريط فيه، وتركها لتحديدات السوق يعني فناءها، لنأخذ بيدها ونمكنها ونعلمها كيف تدير أمورها المالية والإدارية بحرفية عالية، ولكن في الوقت نفسه لا نخسرها، فنخسر «جيش الحبر الأزرق» الذي ساهم بعمر تاريخ الكيان السعودي في حماية الرأي العام من لصوص الفكر ودهاة التخابر الذين لطالما حاولوا اختراق شارعنا المحلي ليحيلوه إلى رأس حربة في مشاريعهم ضد المملكة واستقرارها.

نقلا عن عكاظ