عبدالحميد العمري

العملة الخليجية الموحدة

بدأ العمل فعليا من قبل مؤسسات النقد والبنوك المركزية على هذا الملف قبل 15 عاما من تاريخ اليوم، أي في نهاية 2001 ومضى نشيطا في بدايته عبر تشكيل لجانه المشتركة، سعت تلك اللجان جاهدة إلى الاتفاق على معايير التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشمل معدلات الأداء الاقتصادي والعجز في المالية العامة ونسبة الدين العام إلى الاقتصاد والتضخم وغيرها من المؤشرات الرئيسة، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بتحقيق الاستقرار المالي والنقدي. تم التركيز آنذاك بصورة كبيرة على دراسة ومتابعة التجربة الأوروبية مع اليورو، التي كانت هي أيضا تخوض بداياتها الأولى بعد إقرار العملة الأوروبية الموحدة. وتركزت جهود مؤسسات النقد والبنوك المركزية في دول المجلس ولجانها المشتركة على الاستفادة من مقدمات العمل والتنسيق الأوروبي الذي سبق توحيد عملتها، الذي استغرق عقودا طويلة قبل أن تتحول إلى حقيقة قائمة.

وسرعان ما فتر العمل الخليجي المشترك لأجل تحقيق هذا الهدف المنشود خلال السنوات التالية. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية 2008 لتكبح جزءا كبيرا من الجهود والعمل المشترك، ليعود الأمل من جديد في هذه الفترة على يد هيئة الشؤون الاقتصادية والتنمية لدول الخليج العربي، التي جعلته أول مهامها ومسؤولياتها، إضافة إلى ملفات اقتصادية خليجية أخرى لا تقل أهمية عن ملف الاتحاد النقدي الخليجي، كالسوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، التي تعثرت خطوات تقدمها هي أيضا خلال الأعوام الماضية.

لقد دخل العالم المعاصر منذ أكثر من عقدين عصر الكيانات الاقتصادية العملاقة، وأصبح من العسير جدا على كثير من الدول التكيف منفردة مع التقلبات والتغيرات التي يمر بها الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التقارب الزمني بين الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية، والأخطر هنا هو انعكاس تلك الأزمات على الشأن الاقتصادي الداخلي لأي من تلك الدول، ليظهر خيار التكامل الاقتصادي والمالي ضمن مجموعات أكبر، أحد أهم خيارات أي دولة تستهدف امتصاص آثار تلك الصدمات الاقتصادية العالمية، عدا أنه قبل كل ذلك يعد الخيار الأفضل لتحقيق معدلات نمو اقتصادي مستدام، يمكن بدرجة كبيرة من تحقيق الاستقرار والمتانة لاقتصادات الدول المتكاملة في منظومة اقتصادية أكبر حجما، وأثقل وزنا مقارنة بحجم كل دولة منفردة.

إن إنجاز الملفات الاقتصادية الخليجية المتأخر كثيرا عن الأهداف والطموحات، سيكون عاملا مساعدا على قدر كبير من الأهمية لدول مجلس التعاون الخليجي العربي، وسيسهم بدرجة كبيرة في تخفيف العبء عن دولها ومجتمعاتها، تجاه حل ومواجهة كثير من التحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الداخلية، لعل من أبرزها تحديات البطالة بين شباب دول مجلس التعاون، إذ سيمكن توحيد العملة الخليجية الذي يعني تحققه على أرض الواقع أن التشريعات والأنظمة الداخلية لكل دولة قد أصبحت أكثر انسجاما وتوافقا، التي تعني أن أسواق العمل قد اندمجت في سوق واحدة، وفي هذا انفتاح كبير جدا أمام شباب المجتمعات الخليجية، يؤمل تحت مظلته أن تتقلص معدلات البطالة الخليجية بدرجة كبيرة، وأن يقل الاعتماد المفرط في الوقت الراهن على اليد العاملة الوافدة من خارج منظومة دول المجلس.

وقس على ذلك أيضا بقية أسواق المال والنقد والاستثمار والتجارة المشتركة، التي يعني تكاملها واتحادها انطلاقة أكبر وأوسع أمام اقتصادات دول المنطقة، يمكن لها بتوفيق الله أن تسهم بدرجة كبيرة في منح دول المجلس قدرة وإمكانات أكبر على تجاوز كثير من التحديات التنموية القديمة العهد، وأن تتنامى أحجام تلك الأسواق المتكاملة في سوق واحدة، وأن تمتلك وزنا أثقل في الميزان الدولي، سيكون ذا حظوة أفضل مقارنة بالسابق على مستوى إيجاد كثير من فرص العمل الملائمة لمجتمعات دول المجلس، وعلى مستوى تأسيس وتنويع قاعدة الإنتاج المستقلة عن النفط، وهي الأهداف الاستراتيجية المشروعة المتوقع اكتمال تحققها خلال العقود المستقبلية، التي سيمثل تحققها إضافة بالغة الأهمية لأجل صلابة وقوة وجود دول المجلس، وسيمنحها القدرة الكافية واللازمة لمواجهة التحديات والتقلبات والاضطرابات العالمية المتجددة على الدوام.

تفرض المخاطر الراهنة والمستقبلية على دول مجلس التعاون الخليجي العربي، ضرورة التقدم الحثيث والجاد على مستوى تلك الملفات الاقتصادية والتجارية والمالية، بل تؤكد على أنه يتجاوز في أهميته القصوى مجرد كونه خيارا متاحا أمامها، ليصبح الطريق الوحيد الواجب المضي فيه قدما، وبأسرع الخطوات التي لا تحتمل أي نوع من المماطلة أو التأخير أو التسويف، ويكفي القول هنا كمؤشر على تلك المخاطر، أنها داخليا يمكن قراءتها وترجمتها عبر التحولات المتسارعة التي خاضتها مجتمعات دول مجلس التعاون، فأصبحت من خلالها مجتمعات لديها تطلعات أكبر وأضخم، عدا ما تواجهه من تحديات تنموية بالغة التعقيد، وخارجيا بدءا من المخاطر الإقليمية التي وصلت إلى مستويات مرتفعة من الاضطرابات والصراعات غير المسبوقة تاريخيا، وانتهاء بما يشهده العالم بأسره من أزمات وتقلبات وصراعات شديدة، تشير المعطيات الراهنة إلى أنها تتجه إلى مزيد من الغليان والسخونة.

كل هذا لا شك أنه يفرض منطق عمل خليجي مشترك، يجب أن يقترن بالسرعة والجدية والثقة المشتركة، وهو ما يؤمل بمشيئة الله أن يتحقق على يد هيئة الشؤون الاقتصادية والتنمية لدول الخليج العربي. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الإقتصادية”