محمد الساعد

اليمامة مثالاً.. الاستثمار في بريطانيا العظمى !

اليمامة مثالاً.. الاستثمار في بريطانيا العظمى !

بعد أكثر من مئة عام تعود بريطانيا العظمى للمشهد الدولي من بوابة الحرب الباردة التي يتم التحضير لها بين الصين وأمريكا. بريطانيا العضو المهم في التحالف الثلاثي الجديد المسمى «حلف الغواصات» بجانب أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، تذكر العالم بسجلها الطويل في حكم أعالي البحار، من بحر الصين العظيم شرقا حتى بحر كوبا غربا، وهي التي قالت عن نفسها ذات يوم «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس».

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وإبقاؤها على عملتها النقدية، ورفضها الانسلاخ من هويتها وتاريخها وإرثها لصالح دول داخل أوروبا، كانت إشارات مبكرة على أن تجربة البقاء على الرف الأوروبي غير مجدية ولا تليق بالبريطانيين، فالإنجليز لم يعتادوا أن يكونوا تابعين لأحد، وهم من قاد تحرير الأوروبيين من الاحتلال الألماني الذي أسقطهم تحت مجنزرات جيشه، كما أن الأوروبيين لديهم اهتمامات مختلفة وأجندات متضادة وتحالفات متصارعة تختلف عن المصالح البريطانية.

السعودية ومنذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز ارتبطت بشراكة وثيقة مع الحلفاء الغربيين خاصة الإنجليز والأمريكيين، بل لقد كان الملك عبد العزيز هو أول حاكم يلتقي به الزعيمان المنتصران في الحرب العالمية الثانية رئيس وزراء بريطانيا العظمى ونستون تشرشل وشريكه الرئيس الأمريكي روزفلت، لم يكن ذلك اللقاء صدفة سياسية بل كان خيارا إستراتيجيا لبناء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبناء مصالح مشتركة مبنية على مكانة السعودية الجديدة بموقعها الجغرافي وتوسطها منطقة الشرق الأوسط ومكانتها الدينية ممثلة للعالم الإسلامي والعربي، وإرثها كدولة عمرها في ذلك الوقت أكثر من مئتي عام هي الشريك الأوثق.

في العام 1985 عقدت الرياض مع لندن صفقة ضخمة جدا تحت مسمى «صفقة اليمامة»، استمرت لأكثر من عشرين عاما وتحديدا إلى العام 2006، وتضمنت «صفقة اليمامة» سلسلة من عقود شراء أسلحة بريطانية متقدمة وخبرات وتدريب.

تلك الشراكة أثمرت عن حلف وثيق بين العاصمتين تجلى تماما في أربعة مواقف عسكرية وسياسية كان من الممكن أن تعصف بالمنطقة، تشاركت فيها العاصمتان ونسقتا مواقفهما بما يخدم مصالحهما، أولها الحرب العراقية الإيرانية، وثانيها الغزو السوفيتي لأفغانستان، وثالثها التحرشات الإيرانية بالسعودية، ورابعها الاحتلال العراقي للكويت.

ولعلنا نتذكر هنا أن الأيام الأولى من احتلال العراق للكويت العام 1990 كانت مرتبكة ومشوشة بل إن العواصم الكبرى بما فيها واشنطن بقيت لعدة أيام وهي تراجع الحدث وتحاول اختيار الطريقة الأنسب للتعامل معه، حتى قامت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بالسفر إلى واشنطن والتقت الرئيس وقيادات الحزبين، حتى أنها ألقت كلمة في مجلسي الشيوخ والكونجرس لإقناع واشنطن باتخاذ خطوات دبلوماسية أممية وإجراءات عسكرية لتحرير الكويت وحماية الحلفاء من الغرور العسكري العراقي الذي كاد أن يتسبب في تفجير العالم أجمع. بالفعل استطاعت تاتشر إقناع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب المتردد بالوقوف مع السعوديين وإنشاء تحالف دولي لتحرير الكويت.

لقد أثمر تحالف «الرياض لندن» عن إقناع واشنطن بالوقوف مع الشرعية الدولية ضد خيار القوة وعسكرة الأزمات الذي أقدم عليه صدام حسين، ولو لم يكن التحالف السعودي البريطاني قائما وفعّالا والمصالح بين العاصمتين حاضرة، لربما لم تقم تاتشر بما قامت به من جهد غيّر وجه التاريخ ومكامن القوة.

اليوم يعود السعوديون إلى الاستثمار في بريطانيا العظمى من بوابة الرياضة، بشراء صندوق الاستثمارات العامة نادي نيوكاسل، إنها خمسة وثلاثون عاما بين اليمامة ونيوكاسل، تشير إلى أن إعادة إنتاج «يمامة أخرى» سيكون لها ثقلها الاقتصادي وانعكاساتها السياسية والأمنية والاستراتيجية مع «لندن» العاصمة المؤهلة للعودة لإنتاج دورها الدولي بعدما أثبتت الأحداث السياسية الجسام قدرتها على ضبط إيقاع «الغول» الأمريكي في المنطقة والعالم.

نقلاً عن عكاظ