مسلم الرمالي

بائعة الشاورما.. ورصيف النسيان!

اغمض عينيك.. وتخيل معي عزيزي القارئ أن الخادمة التي في منزلكم تحمل مؤهل دكتوراه في تقنية النانو، ومتخرجة من أقوى الجامعات الغربية، ولم تجد في بلدها عملاً يتسق مع مؤهلاتها العلمية وطموحاتها الشخصية وتطلعاتها المستقبلية.. عفوًا، دعني أعيد الجملة السابقة: لم تجد أي عمل. نعم، أي عمل يحفظ استقلاليتها المالية وكرامتها الإنسانية.

كيف ستكون نظرة العائلة لها داخل المنزل؟ ما مقدار احترامكم وتقديركم لفكرها وشخصها؟ وهل ستستفيدون منها في مهام أخرى.. كتعليم الأبناء، وتطوير قدراتهم في اللغة الإنجليزية والعلوم المختلفة؟ وهل سيكون لها تأثير على مفاهيم العائلة وتشكيل قناعاتها وترسيخ مبادئها؟ والأهم: هل ستشعرون كعائلة بأن الراتب الشهري الذي تدفعونه لها (1000 ريال مثلاً) فيه ظلم وبخس لحقوقها ومؤهلاتها؟

بالله عليكم، ما هو الانطباع الذي سيتشكل عندكم كعائلة عن بلد هذه الخادمة التي تحمل مؤهلاً عاليًّا، يتطلبه العصر الحديث؟ الذي يُقدَّر ويبجَّل المتخصصون فيه بدول العالم، ويُمنحون امتيازات مالية عالية، ويحضون بتقدير اجتماعي فريد.

بعد هذا الخيال المؤلم.. خذ نفسًا عميقًا، وتذكر خريجي تخصصات نادرة وفريدة من حولك في محيط الأسرة، الأصدقاء والزملاء.. وستجد حالة على أقل تقدير أصابع يد صاحبها باللون الأخضر من كثرة حمله الملف الأخضر، والركض اليومي للتسول للحصول على وظيفة!

أيضًا تذكر “بائعة الشاورما” الفاضلة نورة الغامدي خريجة ماجستير في تقنية النانو لعلاج مرضى السرطان من جامعة فلندرز بأستراليا، التي عادت من الابتعاث، ولم تفلح محاولاتها للحصول على وظيفة في القطاعَيْن الخاص والعام! حتى استقرت بقناعة على رصيف كورنيش الدمام لبيع الشاورما! ومن الرصيف ذاته تدعى باسم مديرية الدفاع المدني في دبي للمشاركة بوصفها متحدثة في ملتقى الإمارات السابع لتكنولوجيا السلامة من الحريق، وتعود من الملتقى النخبوي النوعي إلى الرصيف، ولا أحد يحرِّك ساكنًا!!!

علامات التعجب الأخيرة تقول: نتفهم البطالة، ونعي أبعادها.. ولكن يصعب عليَّ الفهم والإدراك أن تكون التخصصات النادرة، التي يحتاج إليها الوطن، ما زال خريجوها على رصيف النسيان!

نقلا عن “سبق”