د.بدر بن سعود ال سعود

إعلام المواطن المجند باسم الصالح العام

إعلام المواطن المجند باسم الصالح العام

شاع في السنوات الأخيرة توظيف مقاطع الفيديو لتوثيق تجاوزات المسؤولين في المملكة، وقد تسبب ذلك في إعفاءات ومسائلات كثيرة في القطاعين العام والخاص، ولا يكون هذا، بطبيعة الحال، إلا بعد التثبت من المحتوى المنشور والتأكد من وقوعه وقيام الدليل عليه، وما ذكر لا يحدث في معظم الحالات، فقد تمت محاسبة مواطنين سعوديين، قبل أسبوعين، لأنهم أساؤوا لمجهودات جهات حكومية في مكافحة كورونا، وما قاموا به يندرج تحت ما يعرف بالصحافيين المواطنين، وهم وإن كانوا شهود عيان لما ينقلونه، إلا أنهم قد يتناولون الموضوع من زاوية معينة ويهملون بقية الزوايا، لأنها لا تخدم موقفهم وما يحاولون تأكيده، وبالتالي فهم عاطفيون ومنحازون في اختياراتهم وربما لعبت الإيديولوجيا دورها المؤثر معهم.

لعل الأسوا في مسيرة الإعلام المدار بمعرفة المواطن كان في أزمة كورونا، وظهر بشكل واضح في نقله للأخبار والصور والمقاطع المفبركة، وفي نشره لشائعات ومعلومات غير دقيقة عن مستحضرات شعبية أو غير مأمونة تساعد في الحماية من كورونا، أو في سرده لقصص متخيلة تنشر الرعب بين الناس وتربك سياسات الدول الصحية، ولأهداف أبعد ما تكون عن قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية، وعن الاهتمام بقضايا الناس وهمومهم.

الإعلام الجماهيري أو التقليدي أتهم بحرصه على المعلن، وعلى مصادر أخباره العامة والخاصة، وأنه يعمل وفق معادلة إعلامية تحاول استرضاء الطرفين، وكل خبر أو تغطيــة تهدد هذه الأولويات يتم استبعادها، والواقع أن إعلام تويتر واليوتيوب يقوم بدور مشابه، ولا خلاف بأنه يمثل شكلاً من أشكال صحافة المواطن، وإذا كانت الصحيفة تأخذ 50 ألف ريال على صفحة الإعلان في المتوسط، فالمشهور أو المؤثر يأخذ أضعاف هذا المبلغ مقابل 240 كلمة أو مقطعاً مصوراً لدقائق.

الصحافي المواطن وجد فرصته الحقيقية مع الجيل الثاني من الويب أو (ويب 2.0) فهو الذي مكن مستخدمي الإنترنت من إنتاج المحتوى الإخباري ونشره والتعليق عليه، وهذه الممارسة لم تكن متاحة في بدايات الإنترنت، ولم تتوفر في الصيغ الإلكترونية التي كان يعتمد عليها، فقد كانت أحادية الجانب في معظمها، رغم أنها بدأت كفكرة مع صحافة الأفراد الأميركية في القرن الثامن عشر، ولكنها لم تطبق بشكل إلكتروني إلا في سنة 2004 أيام حرب العراق والانتخابات الرئاسية في أميركا وكارثة التسونامي الآسيوي، وتحققت الاستفادة منها بشكل كامل في سنة 2005 عندما وقعت تفجيرات النقل العام في لندن، وفيها وثق المواطنون معظم الأحداث وأصبحوا مصدراً إخبارياً لوسائل إعلام مهمة أبرزها تلفزيون (بي بي سي) وفي المجال السياسي استثمره الإيرانيون في الثورة الخضراء سنة 2009، بالإضافة لناشطي الربيع العربي في 2011، وما زالت تستخدم في ليبيا وسورية وفي الأماكن التي يصعب الوصول إليها، واستخدمها أردوغان في نشر رسالة مصورة بصوته وصورته أفشلت الانقلاب ضده في 2016.

القاعدة أن الصحافة التقليدية تحيد العاطفة والمشاعر الشخصية، حتى لا تنحاز أو تتأثر في تعاملها مع الأخبار، وهذا لا يحدث في صحافة المواطن التي ما زالت تجربتها العربية في طور المراهقة ولم تصل لمرحلة النضج، علاوة على أن دخول بعض الأشخاص إليها لم يكن عفوياً أو عشوائياً، وإنما تم بتخطيط مسبق ومدروس من جهات تجند المواطنين ضد بلدانهم، وباسم الوطنية والصالح العام.

نقلا عن الرياض