د.بدر بن سعود ال سعود

لا تخلوها له

لا تخلوها له

جرائم الاحتيال قديمة، ولكنها سجلت حضوراً لافتاً في الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وتحديداً عندما قام الأميركي برنارد مادوف بتنفيذ أكبر عملية احتيال في التاريخ، وقد عرفت باسم بونزي وتسببت في خسائر مالية وصلت إلى 65 مليار دولار، وذهب ضحيتها ما يقرب من 4800 شخص، وفي 2010 نشطت حملة احتيال على الإيميلات استخدمت اسم مجلس الشيوخ الأميركي ووزارة الخارجية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وكلها كانت محملة بوعود مالية وصل بعضها لملايين الدولارات، وفي سبتمبر الماضي تم العثور على قاعدة بيانات اسمها إيلاستيك سيرش، وفيها معلومات مسروقة من مئة ألف مستخدم لموقع فيسبوك، وقد استخدمها محتالون في التسويق لمنصة مزيفة خاصة بتداول البيتكوين، واستطاعوا من خلالها الحصول على مبالغ مليونية.

في 22 نوفمبر الجاري بدأت حملة وطنية عنوانها العريض: خلها لك، وموضوعها حماية البيانات الخاصة والمصرفية للمواطنين والمقيمين في المملكة، والحملة باركتها البنوك السعودية ودعمتها مؤسسة النقد العربي السعودي، ويمكن اعتبارها مبادرة للتعريف بأساليب الاحتيال المختلفة، وبأسلوب يحقق التخفيف من آثارها قدر المستطاع، وقد احتوت إعلانات الحملة المنتشرة في الشوارع والشاشات على كلمة واحدة يخفيها قناع، وفي هذا دلالة عميقة، فالأقنعة حضرت لأول مرة قبل 3500 سنة، واستخدمتها بعض القبائل الإفريقية للحماية من الأرواح الشريرة.

الحملة لم تأتِ من فراغ، فقد انتشرت في الفترة الأخيرة عمليات احتيال استهدفت الجوالات والإيميلات الشخصية للمواطنين والمقيمين، وانتحلت صفة صندوق الاستثمارات العامة ومؤسسة النقد العربي السعودي وغيرها، وأوضح الصندوق أنه لا يقدم خدمات مباشرة للأفراد، فيما قالت مؤسسة النقد: إن النظام لا يسمح لها من الأساس بإجراء عمليات مالية نيابة عن أحد أو باسمه، وحتى منصة مدرستي التابعة لوزارة التعليم لم تسلم، ودخل إليها الاحتيال عن طريق تقديم عروض لخدمات تعليمية بمقابل، ويطلب فيها المحتال المعلومات البنكية للاستفادة من العروض.

هناك إحصائية تقول: إن السعوديين بعد أزمة كورونا، أصبحوا يفضلون التسوق الإلكتروني وبنسبة تقترب من 58 %، والرقم يعتبر مغرياً لقراصنة البرمجيات المالية الخبيثة، وهؤلاء يقومون بسرقة البيانات المصرفية، ونشاط هذه البرمجيات ارتفع بنسبة 45 % في الجائحة، وتحديداً ما بين شهري يناير ويونيو 2020، مقارنة بالفترة نفسها في سنة 2019، والمختصون يؤكدون أن هذه البرمجيات الخبيثة تستخدم في المملكة بدرجة أكبر من بقية دول الخليج.

الاحتيال يؤدي إلى خسائر تريليونية كل سنة، وأرقام ضحاياه تتفوق على أي جريمة، وفي المملكة تعرض أكثر من نصف السعوديين (51 %) لمحاولة احتيال واحدة على الأقل في أول ستة أشهر من سنة 2020 مقابل 20 % في 2016، ورغم أهمية الحملة إلا أنها لا تكفي في اعتقادي، ولابد من حلول عملية وجادة تبدأ بمعاقبة وتغريم من يثبت تهاونه في حماية معلوماته السرية، ولا تخلوها له بالكامل.

نقلا عن الرياض