د.بدر بن سعود ال سعود

مشهور بئر زمزم

مشهور بئر زمزم

تكلم ابن الجوزي عن أعرابي حضر طواف الحجاج في مكة المكرمة، وكان هذا في القرن السادس الهجري، وكيف أنه استغل انشغالهم بالطواف وبغرف الماء من بئر زمزم، وقام بحسر ثوبه وقضاء حاجته الصغرى في البئر، وقد فعل ذلك حتى يعرف بين الناس بأنه فلان الذي بال في البئر، ولا أتصور أن حاله يختلف عن حال مشاهير المنصات الاجتماعية، خصوصاً تيك توك وسناب شات ويوتيوب وتطبيقات الفيديو المشابهة، فقد تناقل الركبان في الأيام القليلة الماضية مقطعاً مصوراً يجمع مشاهير سعوديين معظمهم يقيم خارج المملكة، وفيه تصرفات خارجة ومستفزة ساهمت في تحقيق شعبية واسعة لهم، والمسألة مشتركة مع مشاهير عرب وخليجيين، اعتمدوا على السلوكيات الشاذة والغريبة في الوصول إلى جماهيرالسوشيال ميديا العريضة.

الثابت من وجهة النظر النفسية أن الشهرة الإلكترونية تنتقل من شخص لآخر بالتقليد والمحاكاة، وتؤدي إلى خروج نماذج متماثلة من المشاهير، وأن من يقدمون محتوى متطرفاً وغير مقبول على شبكات التواصل يعانون في الغالب من اضطراب في الهوية، وبعضهم أصحاب شخصيات سيكوباتية، ويجدون المتعة في الإساءة لأنفسهم وعرض تجاوزاتهم على الآخرين، وهو ما يؤدي بهم إلى تسليع أشيائهم الخاصة، وعرض ما يعتقدون أنه يمثل ميزة تنافسية ينفردون بها عن غيرهم.

المنصات الاجتماعية توفر فرص عمل مربحة، ولا تحتاج لأدوات أو مؤهلات لنقل العاطل أو المعدم من هامش النكرات إلى متن المشاهير، ولكن الشهرة في حد ذاتها قد تستبد بالمشهور، وربما تصور أنها تمثل الكمال المطلق وأن الحياة بدونها بلا معنى، وبالتالي فليس كل ما يعرضه المشهور واقعياً وحقيقياً، والأقرب أنه مصنوع لزيادة أعداد متابعيه وتعزيز الإحساس بالثقة والتقدير الاجتماعي، وقبلها رفع أسعار الإعلان واستقطاب زبائن جدد.

الشعبية والجماهيرية تأتي من الكاريزما الشخصية أو السمعة الاجتماعية، والثانية بشكلها السلبي غالبة على مشاهير السوشيال ميديا، والمشهور عندما يروج لتجاوزاته، فإنه يسوق لنفسه باعتباره ماركة تجارية، وقد يؤثر في أنماط الاستهلاك وفي توجهات الناس، فالمعروف وفق إحصاءات 2020 أن تسعة من كل عشرة أشخاص يفضلون المحتوى الرقمي القصير على المنصات الاجتماعية، وهؤلاء يمثلون 40% من سكان العالم، ويهتمون بمقاطع المشاهير الترفيهية وحواراتهم.

هوس الشهرة قد يتحول إلى جنون، ويجعل الشخص يقوم بتصرفات غير مقبولة وبطريقة ميكانيكية، وقد يرتكب أفعالاً شديدة الانحراف، ولمجرد الوصول إلى دكة المشاهير، ومن الأمثلة، مقتل نجم البيتلز المعروف جون لينون على يد واحد من معجبيه، والسبب أن المعجب رغب في أن يكون مشهوراً بقتله المشهور الذي يحبه، وأسهل طريقة للشهرة هي أن تنتحر كما قال جورج بيرنارد شو، أو أن تأخذ برأي البير كامو وتقتل صاحبة العمارة التي تسكنها.

نقلاً عن عكاظ