محمد آل الشيخ

بهذا نساهم في حل الفوضى المرورية

القانون في كل الدول هو ضمانة الأمن والاستقرار، فإذا غاب أو اهتز، انفلتت المجتمعات، حتى ولو كانت هذه المجتمعات راقية ومتحضرة. انقطعت الكهرباء ذات ليلة في نيويورك، فاستطاع اللصوص أن يعتدوا في جنح الظلام الدامس على الممتلكات، فكانت الخسائر في بضع ساعات تقدر بالمليارات.

المرور والضبط المروري من أهم المشاكل المتفاقمة التي لا نعرف كيف نواجهها، إذ إن الفوضى المرورية العارمة، وتدني أخلاق بعض السائقين، تكاد تكون من العلامات التي تختص بها بلادنا – للأسف – من بين كل بلاد العالم. فيما لو قورنت بغيرها من الدول القريبة، فالبون شاسعٌ، ومخجلٌ في الوقت ذاته؛ هذا رغم أن أجهزتنا الأمنية استطاعت أن تبهر العالم في سيطرتها على ظاهرة الإرهاب والإرهابيين وكشفهم وكبح جماحهم، فما إن تُرتكب جريمة إرهابية، فإن كشفها لا يحتاج من أجهزتنا الأمنية إلا أياماً قصيرة، لينتهي أفرادها إلى السجن أو القتل، بينما فشلت أجهزتنا المرورية فشلاً ذريعاً في السيطرة على الفوضى المرورية، وإلزام الناس، خصوصاً الشباب الطائش منهم، على الالتزام بأنظمة السير في الطرقات، حتى أصبح القتلى والمصابون في حوادث السير أضعاف القتلى والمصابين في جرائم الإرهاب.

صحيح أن أنظمة الردع المرورية هي الحل الأهم في كل دول العالم، لكنها قطعاً ليست كافية إلا إذا تضافرت معها حلول أخرى مساندة. لذلك فإن التصعيد في عقوبات الردع بما يواكب ظاهرة الانفلات، يجب أن تكون القاعدة الأولى لعلاج هذه الظاهرة. كوريا الشمالية – مثلاً – جعلت الإعدام رمياً بالرصاص هو عقاب من يقطع الإشارة المرورية، فانعكس ذلك انعكاساً إيجابياً على الأمن المروري، إذ أصبحت الوفيات في حوادث السير في كوريا الشمالية هي الأقل عالمياً. وأنا هنا لا أطالب بهذه الحلول التعسفية المجنونة، ولكن أطالب أن نرتقي بالعقوبات المالية أولاً، ومن ثم عقوبات سجن المخالفين لمدد أطول مما هي عليه الآن.

ولا يمكن أن نتطرق لموضوع نفسي ومؤداه (خاصية) ينفرد بها بعض الشباب وهي لذة مقاربة الخطورة، أو ملامسة سقفها الأعلى، فقد كانت هذه الخاصية تتجلى في الماضي في (الشجاعة والإقدام) في الحروب والغزوات، وكانت حينها تعتبر من (مميزات الفرد) المحمودة، والتي يفاخر بها أقرانه في المجتمع، هذه الخاصية أصبحت الآن من الممنوعات بل ومن الجرائم في مجتمعات السلم الأهلي، ولأنها تعتبر من حيث التحليل النفسي، ضرباً من ضروب الحماس الإنساني لدى البشر، لذلك قامت المجتمعات المتحضرة بتفريغ هذا الحماس في اعتماد بعض الرياضات ذات الصبغة التنافسية العنيفة، وتشريع قوانينها، لتكون (متنفساً) يستطيع من خلاله الفرد الذي تسيطر عليه هذه النزعة، بتفريغها بما لا يضر بالآخرين والأمن الاجتماعي، بحيث تنحصر انعكاساتها عليه نفسه، ومن يشاركونه في هذه النزعة والخاصية، وهذا – بالمناسبة – حُجة من يدافعون عن بعض الرياضات العنيفة، كالملاكمة والمصارعة مثلاً.

وأنا على يقين أننا لو أقمنا حلبات لسباق السيارات، ومثلها للمفحطين، ونظمناها بضوابط محكمة لمزاولتها ومزاولة منافساتها، سينعكس ذلك انعكاساً إيجابياً على الانضباط المروري، بالشكل الذي يجعل من لديه رغبة نفسية في التلذذ بمقاربة الخطر، وملامسته، أن يُنفس عن رغبته تلك، ويمارسها بعيداً عن الطرقات.

أتمنى أن يجد هذا الاقتراح من المسؤولين آذاناً صاغية، فجل الردع لوحده لم يكف، ولن يكفي، حتى ولو استوردنا قوانين كوريا الشمالية.

إلى اللقاء.
نقلا عن الجزيرة