د. فهد العتيبي

تأملات في تاريخنا الوطني.. غالية البقمية

تأملات في تاريخنا الوطني.. غالية البقمية

ينطوي تاريخنا الوطني المجيد على الكثير من الجوانب التي تستحق الاستحضار من ذاكرتنا التاريخية وطرحها أمام المجتمع لكي يستلهمها وهو يخطو خطوات التطوير والتحديث نحو الغد المشرق، ومن أهم هذه الجوانب “دور المرأة السعودية” في بناء الوطن جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل، وعندما نتحدث عن البناء الوطني تظهر أمامنا الكثير من الصور لهذه العملية “البنائية” ابتداء من دور المرأة كأم ومربية لجيل صالح وانتهاء بالتضحية بنفسها ومالها في سبيل الدفاع عن الوطن والذود عنه.

ومن النماذج النسائية السعودية المشرفة في هذا المضمار السيدة (غالية البقمية) التي تجلت بطولاتها في معركة تربة عام 1228هـ، تحركت قوات طوسون باشا الغازية إلى تربة وحاصرتها لمدة أربعة أيام، وكان حصاراً قاسياً تلقت فيه المدينة وابلاً من قذائف المدافع ولكنها صمدت بقوة أهلها وارتباطهم بأرضهم، كان زوج غالية حاكم تربة وقد مرض أثناء الحصار ليتوفى لاحقاً. فحرصت غالية البقمية على إخفاء مرض زوجها ووفاته، وكانت تصدر الأوامر باسمه وكأنه من يباشر قيادة المعارك، وهنا تظهر حنكة هذه المرأة، فلو علم المقاتلون بمرض قائدهم فقد تتأثر معنوياتهم لا سيما أنهم أمام عدو غازٍ يفوقهم في العدة والعتاد، قامت غالية البقمية بفتح المخازن وتوزيع الأسلحة على المحاربين والدفع من مالها الخاص وتشجيعهم على الصمود، وكان لها ما أرادت، حيث نجح السعوديون في دحر قوات طوسون باشا في سمفونية دفاع وطنية رائعة.

ونتيجة لهذا الدور الكبير لهذه المرأة السعودية تحدث عنها العديد من المؤرخين سواء العرب أو الغربيين. فقد تحدث المستشرق السويسري بوركهارت عن رجاحة عقلها ونفاذ رأيها وقتالها للقوات التركية، حيث يقول: “فقاتلت العساكر التركية قتالاً شديداً حتى انهزموا هزيمة منكرة، وهربوا لا يلوي أحد على أحد تاركين خيامهم وأمتعتهم وبعض مدافعهم”. ويقول المؤرخ الفرنسي دريو: “إن هزيمة الأتراك في تربة أمام غالية كانت ضربة قاصمة لسمعة محمد علي وابنه طوسون، لذلك أسرع محمد علي في السفر من مصر إلى الحجاز لتدارك الأمر”. ونظراً لعدم استيعاب القوات الغازية لبطولات السعوديين في تربة وارتباطهم بأرضهم من ناحية، وعدم استيعابهم لتعرضهم لهذه الهزيمة النكراء التي كان لغالية البقمية دور كبير فيها، تخيلوا أن غالية كانت ذات قدرات غير بشرية فهي إما ساحرة هزمتهم عن طريق تعويذاتها السحرية، أو كانت تتعامل مع الجن الذين ساعدوا أهل تربة في هزيمة القوات العثمانية الغازية، ومهما يكن من أمر، فلقد أصبحت “دار غالية -ولله الحمد- عامرة”، وليست خالية كما ذكر محمد علي باشا عند مروره بتربة، فمحافظة تربة اليوم تزهو بحاضرها المجيد وتتوق إلى مستقبلها الزاهر في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، وتحتفظ في الوقت ذاته بذاكرتها التاريخية الباذخة.

نقلا عن الرياض