محمد الساعد

تونس.. بين إبراهام لينكون وقيس سعيد !

تونس.. بين إبراهام لينكون وقيس سعيد !

في الفترة ما بين 1861 و1865م، وقف الرئيس الأمريكي إبراهام لينكون أمام قرار تاريخي؛ إما أن يحافظ على الاتحاد الأمريكي أو ينفرط عقده للأبد، وجد لينكون نفسه -وهو الخبير القانوني الفذ- أمام معضلة في الدستور الأمريكي قد تمنعه من إنقاذ بلاده، لكنه فهم عميقا أن عدم تحركه يعني دخول الولايات المتحدة في حرب أهلية شاملة، كانت قد بدأت تشتعل بالفعل في أطرافها، كان يعي أنه لا يوجد بند صريح في الدستور الأمريكي يمنع انفصال أي ولاية، خاصة مع بدء 7 ولايات إجراءات انفصالها بل إن بعضها أعلن ذلك صراحة وبدأت في تشكيلها اتحادا آخر.

نعم كانت الدولة الاتحادية الأمريكية قد تشكلت بالتراضي بين المكونات والولايات المختلفة، إلا أن الزعيم العظيم والقانوني المحترف آمن أن الحفاظ على بلاده يحتم عليه اتخاذ قرارات صعبة ومفصلية وتاريخية، فعطل الدستور رافضا بشكل قاطع فكرة الانفصال، واستند في ذلك على دستور 1776 الذي توقف العمل به والذي نص على «وحدة دائمة»، واستبدل بدستور جديد عام 1789، فقال لينكون في خطاب عظيم وجهه للأمة الأمريكية إن دستور 1789 ما جاء إلا تطويراً لما سبقه وبالتالي لم يزل بند «الوحدة الدائمة» ساري المفعول ويجب العمل به، كانت لحظة فاصلة بين التفريط في البلاد من أجل مخاوف دستورية عمياء وبين تحمل للمسؤولية التاريخية، كان تفسيرا عبقريا تعيش عليه الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمى لليوم، ولو لم يطبقه إبراهام لينكون لتشظت بلاده وأصبحت دولة متصارعة متناحرة لم تستطع أن تبني هذا المجد العظيم الذي نراه اليوم.

كانت مشكلة العبودية ومحاولات الولايات المنفصلة الإبقاء عليها هي مصدر الخلاف الكبير، الرئيس لينكون وهو السياسي المحنك استطاع مسك العصا من المنتصف، مبقياً بعض الحقوق لمن يؤيد الرق، وفي الوقت نفسه أعلن تأييده لمشروع تحريم الرق في الولايات والأراضي الجديدة التي حصلت عليها الدولة إثر حرب المكسيك أو أي أراض جديدة أخرى، وهو القرار الذي ساهم كثيرا في انتهاء العبودية، لقد كان سياسيا عبقريا كيّف الدستور وقرأه بما يحقق المصالح العليا لبلاده.

اليوم يكرر القانوني المحترف ورئيس تونس «قيس سعيد» نفس ما فعله إبراهام لينكون، صحيح أنه لم يعطل الدستور التونسي، لكنه قرأ المادة 80 واستخدمها بما يحقق لأمته التونسية استقرارها، بعدما حاول المكون الإخواني استعباد الشعب التونسي ودعم كوادره وتمكينهم من المال والمناصب ومفاصل الدولة وفرض هيمنتهم ورؤيتهم، بل وتحويل تونس لحديقة خلفية للعثمانيين الجدد وبعض دول المال صغيرة الجغرافيا، بما يهدد استقرار بلاده وانفراط عقدها الاجتماعي والأمني والصحي والاقتصادي.

يا لهذا الشبه الكبير بين شخصيتين قانونيتين عظيمتين في التاريخ، «إبراهام لينكون» و«قيس سعيد»، كان قدرهما أن يحكما بلديهما في أوقات عصيبة، وكان لزاما عليهما استخدام القانون لحماية شعبيهما وتأمين الأمن والاستقرار لوطنيهما، فالولايات الجنوبية في عهد لينكون كانت تريد استمرار نظام العبودية وثارت لذلك، وتنظيم الإخوان كان يريد استعباد التونسيين وإعادة تونس تحت الاستعمار العثماني.

كل من يقول إن الرئيس التونسي انقلب على قواعد العمل السياسي في بلده عليه أن يعود للتاريخ السياسي واستخدامات الدساتير، خاصة التاريخ السياسي الغربي، ليستوعب أن الرئيس قيس سعيد فعل البنود الدستورية التي تفوضه بحماية بلاده عند أي خطر داهم، وأي خطر أكثر من انقلاب الإخوان على الدولة التونسية، خاصة أن المستعمر يقف في الصحارى الليبية وعلى أبواب تونس.

لقد أضحى المحتل الداخلي الإخواني أكثر إجراما وأعظم خطرا، وكان يهيئ الظروف لعودة المستعمر من جديد، فهو في البرلمان والبلديات ويتسلل لمفاصل الدولة بالترهيب والترغيب، ويشكل خفية مليشيات عسكرية يهدف بها تحويل التونسيين إلى عبيد كما فعلت الولايات التي أرادت الانفصال عن جمهورية «لينكون»، بل إن قيس سعيد لم يقم بما قام به من يوصف بأنه المؤسس الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية إبراهام لينكون واكتفى ببعض الإجراءات القانونية دون تعطيل دستور بلاده.

نقلاً عن عكاظ