د.بدر بن سعود ال سعود

ثلاجة ناصر القصبي

ثلاجة ناصر القصبي

الحلقة الثانية من كوميديا ممنوع التجول لناصر القصبى اعتلت الترند المحلي من أيام، وكان موضوعها عن دفن الأب المتوفى بكورونا في حالة منع التجول، وكيف أن أكبر أبنائه قرر تأجيل الإبلاغ عن وفاته حتى تزول كورونا، وذلك لإقامة عزاء يليق بمكانته، وكانت وسيلة حفظه وضعه في ثلاجة لحفظ اللحوم المجمدة، وقد تعرضت الحلقة لانتقادات كثيرة، رغم أنها جاءت بقالب ساخر.

صناعة الضحك والإضحاك في زمن الكورونا تشبه حال برسيوس الأغريقي في مواجهته لميدوسا، والثاني عبارة عن كائن مسخ كل من ينظر في عينيه يتحول إلى حجر، وبالتالي فالاقتراب الحذر والموزون مطلوب في مثل هذه المواجهات، وبعض النكات غير المنضبطة في الدراما والمنصات المختلفة قد تكون مؤذية، ومن الأمثلة، السخرية من أصحاب الملامح الآسيوية بعد تصريح الرئيس السابق ترمب، ووصفه لكورونا بالفيروس الصيني، وكذلك التهكم على من زادت أوزانهم بشكل ملفت في فترة الحجر، والتصنيف الاجتماعي للقاحات، وأن بعضها للعمال والآخر لرجال الأعمال.

منذ بداية انتشار الوباء في سنة 2019 والنكات عنه لا تتوقف، ويمكن اعتبارها بمثابة الثيمة الأبرز لعشرات الملايين من مقاطع الفيديو المتداولة حول العالم، وبعض الهاشتاقات عن كورونا حققت مشاهدات مليارية، ولولا الجائحـة لما تسيد (تيك توك) المشهد، ولما أصبح المنصة العالمية الأولى للضحك والضاحكين، بالإضافة لنكات الكادر الطبي الهستيرية من مواقع أعمالهم، مع ملاحظة اختلاف الأذواق بين المجتمعات في استقبال المحتوى الفكاهي، فالأمريكان ومعظم العرب يفضلون النكات التي تسخر من سذاجة التصرف أو الشخص، والإنجليز يميلون لنكات التلاعب بالألفاظ، بينما يستلطف بقية الأوروبيين النكات الذهنية وكوميديا الموقف.

الكوميديا تعتمد على التناقضات والنواقص، كما هو الحال في ثنائيات لوريل وهاردي وعليان وسعيدان وغوار الطوشة وحسني البورزان، ويأتي الموقف الكوميدي عندما يتصرف الشخص وكأنه آلة، ودون أن يلتزم بمنطق الحدث الذي يعيشه، ومن ذلك استغلال كذبة أبريل في الدعوة إلى حفلة وهمية في بلجيكا رغم منع التجول، وحضور أعداد كبيرة لم تتفرق إلا بعد تدخل الشرطة، ويعتقد أفلاطون بأن الناس يجيدون الضحك على ماضيهم، وعلى من يتصورون أنهم يتفوقون عليهم، والنكات في الغالب محملة برسائل تشخص لواقع معين، وربما استخدمت كأداة لرسم صور سلبية عن الخصوم، مثلما فعل المحتل الإنجليزي مع سكان الصعيد في مصر.

خفة الظل ترفع من المناعة ومقاومة الجسم للأمراض، وتزيد من إفراز ما يعرف بهرمونات السعادة كالأندروفين والسيروتونين، وفي المقابل تسهم المخاوف والفوبيات المختلفة في إفراز هرمونات تضعف المناعة، والنكات تعبر عن المزاج العام للمجتمع، وتمثل سلاحاً فعالاً لمواجهة الإحباطات وحالات الاكتئاب والقلق، وزيادتها الملحوظة تعطي مؤشراً على وجود مشكلات اقتصادية واجتماعية تحتاج لحلول عاجلة.

(نقلاً عن عكاظ)