خالد طاشكندي

شيطنة «الترفيه» !

شيطنة «الترفيه» !

يقول غوته: «السفر طويل جداً لولا المتعة في الوصول»، وهي حكمة شهيرة تحمل في طياتها معاني كثيرة، أهمها أن السفر بكافة أشكاله يعد رحلة شاقة سواء من حيث الجهد أو التكلفة وما غير ذلك من أوجه العناء كالبعد عن الوطن والأهل وعدد من المخاطر وجوانب عديدة أخرى يتحملها المرء من أجل غاية ما كالسياحة والترفيه والاستمتاع بمشاهدة وممارسة أنشطة ترفيهية لا تتوفر في بلاده، ولكن في السعودية توجد حالياً مؤسسات وطنية تقف خلفها رؤية عظيمة، قلبت حكمة غوته رأساً على عقب وأبطلتها باختصارها عناء ومشقة السفر من أجل السياحة والترفيه التي يصرف عليها المواطنون السعوديون ما يعادل 7% من الإنفاق الحكومي سنوياً وبأكثر من نصف تريليون ريال خلال عشرة أعوام ما بين (2007-2017)، وذلك بعد أن أوجدت الحكومة السعودية للمواطن «خيارات» ترفيهية متعددة ومتنوعة تناسب مختلف الشرائح الاجتماعية وبمعايير جودة مرتفعة على الطراز العالمي وبأسعار مدعومة من الدولة، وبالتالي لم تعد هناك حاجة ماسة لدى الكثير من الأسر لتكبد تكاليف شراء تذاكر سفر وحجز فنادق في مشارق الأرض ومغاربها لمشاهدة السينما أو حضور حفلات غنائية أو الذهاب إلى مدن الملاهي العالمية وحضور العروض الفنية والسيرك وغيرها، ووضعت الجهات الرسمية ضوابط وقوانين تحترم العادات والتقاليد والذوق العام بما يتناسب مع البيئة الاجتماعية.

وللأسف «البعض» يستكثر ويستنكر على المواطنين حقهم في الترفيه والترويح عن أنفسهم ويدفع بالأمر من زاوية شرعية ضيقة، مع أن التاريخ الإسلامي على مر عصوره التاريخية يشهد بوجود الترفيه والغناء، ومسألة إباحته في الشرع قال بها الكثير من العلماء على مر العصور، وهناك العديد من الشواهد التي أوردها الأصفهاني وابن عبد ربه وابن خلكان وغيرهم ما يدل على وجود الترفيه وممارسة فن الغناء في الجزيرة العربية في صدر الإسلام، وكان من أهل المدينة المنورة في أواسط القرن الأول الهجري مغنية شهيرة اسمها «عزة الميلاء»، وكانت تجيد العزف على آلة العود، وعرف عنها أنها كانت ذات دين حسن وهيبة ووقار، وكانت إذا جلست للغناء في حفل عام أنصت لها الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير، ويعد أبو الخطاب مسلم بن محرز من أعلام الغناء المكي في صدر الإسلام وتنقل مغنياً بين مكة والمدينة، ودرس الغناء عن عزة الميلاء في المدينة، وعن ابن سريج وأبي مسجح في مكة، ومع امتداد العصر الذي ظهر فيه المغنون والمغنيات في عصر صدر الإسلام كانت هناك حركة إبداع وأصالة وريادة في فنون الغناء احتلت فيه مكة والمدينة موقعاً بارزاً اتفق عليه الكثير من المؤرخين الذين تناولوا هذا الموضوع، فالقرون الثلاثة الأولى من صدر الإسلام شهدت تطوراً في فنون الغناء في الحجاز من حيث المنافسة في اختيار القصائد المغناة لفحول الشعراء، والإبداع اللحني، وحسن الأداء، وتطوير الأدوات، وبيئة منفتحة اتسعت لممارسة الفنون على نحو لم يسبق من قبل ومن بعد، واحتل الغناء اهتمامات عدد من كبار المؤرخين منهم الطبري والمسعودي والسيوطي وابن خلدون وغيرهم، وهناك عدد غير محدود من الفقهاء تناولوا المسائل الفقهية في موضوع الغناء ومدى مشروعية العمل به أو الابتعاد عنه، وللنابلسي في كتابه (الدلالات السمعية) والشوكاني في (إبطال دعوى الإجماع على تحريم السماع)، آراء حول هذه المسألة جديرة بالدراسة والاطلاع.

وبالعودة إلى سياق السياحة والترفيه، كشفت بيانات منظمة السياحة العالمية في 2016، أن السائح السعودي يعد الأعلى إنفاقاً في العالم، إذ بلغ حينها إنفاق السعوديين لنحو 21.3 مليار دولار، فيما أشار تقرير صحفي كتبه أليكس ريتمان في صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية عام 2012 بعنوان: «كيف أصبح حظر السينما في السعودية يفيد السياحة في الإمارات»، إلى أن حوالي ربع مليون سائح سعودي زاروا دولة الإمارات في صيف 2010 من أجل مشاهدة الأفلام السينمائية، وجاء من ضمن التقرير تصريحات للمخرج السعودي عبدالله آل عياف بأن «90% من زوار السينما في دولة البحرين هم سعوديون» وحتى وإن كنا لا نستطيع أن نؤكد دقة هذه الأرقام لعدم وجود دراسات دقيقة تبرهن ذلك، ولكنها ليست مستبعدة لأن المشاهدة العينية عند السفر في المواسم إلى أماكن مثل دبي والمنامة والقاهرة وبيروت وغيرها تدل على إقبال السائح السعودي على زيارة دور السينما، بالإضافة إلى ما كنا نسمعه من الأقرباء والأصدقاء عند سفرهم للسياحة واهتمامهم بمشاهدة الأفلام السينمائية ضمن أولويات السفر إلى الخارج.

والآن وفي ظل تنامي المشروعات السياحية والترفيهية داخل السعودية، تعددت الخيارات ولم تعد هناك حاجة ماسة لتكبد مصاريف وعناء السفر أو الانتظار لساعات طويلة على أحد المنافذ الحدودية من أجل مشاهدة فيلم في السينما أو حضور حفل غنائي أو من أجل عروض سيرك وما إلى ذلك، أو المخاطرة بأرواحنا من أجل حضور احتفالية غنائية في مقهى بمدينة إسطنبول مثل حادثة «رينا» في 2017 التي أودت بحياة العشرات بينهم 20 سعودياً ما بين مصاب وجريح، أو المرور عبر مطار دولي في محيط منطقة يسيطر عليها تنظيم «حزب الله» الإرهابي، أو السفر لأكثر من 24 ساعة طيران من أجل ملاهٍ للألعاب الترفيهية مثل «Six Flags» العالمية التي ستفتتح فرعاً لها في السعودية قريباً، وكذلك لم تعد هناك حاجة ملحة إلى السفر لأماكن معرضة لخطر «التسونامي» في ظل توفير منتجعات ساحلية بمعايير عالمية وقرب تدشين مدن سياحية ساحلية متكاملة مثل «أمالا» و«مشروع البحر الأحمر» و«نيوم».

لكن المثير في الأمر، يكمن في موجة التأفف والتذمر التي نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي والهاشتاقات المسيئة ضد «الترفيه»، والتركيز على انتقاء بعض السلبيات التي حدثت إما نتيجة لتجاوزات فردية أو مخالفات من قبل بعض المنظمين، والتي ستحكمها حتماً الأنظمة واللوائح، ومن الواضح تماماً أن هناك من يسلط الضوء على هذه الحالات الشاذة في وسائل الإعلام الخارجية بهدف «شيطنة» فعاليات وأنشطة الترفيه في السعودية ووصمها بالمجون، وهذه الحملات المسعورة على الأرجح أنها تسعى لكبح تنامي السياحة الداخلية مقابل الخارجية، حيث تبين التقارير الرسمية أن إجمالي الإنفاق على السياحة داخل المملكة ارتفع خلال عام 2018 بنسبة 17.5% ليبلغ 121.5 مليار ريال، منها 75.2 مليار ريال إنفاق سياحة وافدة من الخارج، ومن المتوقع أن يساهم هذا القطاع بنحو 70 مليار دولار في إجمالي الناتج المحلي عام 2019، وبلا شك سوف توفر آلاف الوظائف للشباب السعودي والعديد من الإيجابيات.

وعلى أي حال.. السياحة في الداخل هي مجرد «خيار» والسفر إلى الخارج ليس ممنوعاً.

نقلاً عن عكاظ