د. محمد العوين

لئلا يعود داعش من جديد!

التربة الفاسدة لا يمكن إلا أن تنبت ثمراً مرّاً، وداعش نتيجة لا سبباً!
كان الغزو الأمريكي للعراق 2003م الذي قاده بوش الابن خطأً فاحشاً؛ لكن الخطأ الأكبر بعد ذلك حل الجيش العراقي ومنح فرص النفوذ لرموز طائفية حلّت محل نظام صدام البائد، وقد أحدث ذلك كله تجييش مشاعر دينية وقبلية وطائفية داخل العراق وخارجه؛ فتشكلت مجاميع قتالية تحت دعاوى مختلفة لمقاومة الغزو العراقي، وكان المقاتلون العرب العائدون إلى بلدانهم من جبهات القتال في أفغانستان المنتمون إلى تنظيم القاعدة قد وجدوا أنفسهم بلا مهمات «جهادية» كما يزعمون، فكان الوجود الأمريكي في العراق سبباُ لتحشيد مئات منهم في مكان واحد؛ فكان أبو مصعب الزرقاوي الأردني الجنسية، أول من بادر إلى إعلان ما أسماه الجهاد ضد الكفار فأنشأ تنظيم «التوحيد والجهاد» 2004م في فورة الوجود الأمريكي، وانضمت إليه أعداد كبيرة من البعثيين العراقيين، ممن شملهم الفصل من وظائفهم العسكرية وسرحوا من أعمالهم، وهم في مجملهم بعثيون مؤدلجون وعسكريون مدربون، ومنهم على سبيل المثال حامد داود الراوي الملقب بأبي عمر البغدادي الذي تولى قيادة التنظيم بعد مقتل الزرقاوي من 2006 – 2010م وغيّر اسم التنظيم إلى «دولة العراق الإسلامية»، ولأنّ العراق قد دخل في ارتباك سياسي وحصار خانق بعد غزو الكويت، وجد الفكر المتطرف له منافذ مفتوحة للوصول إلى طبقة غاضبة ومحتقنة من المغامرات السياسية الحمقاء والتعسف في استخدام السلطة، وما يرى بعض من انتمى إلى الفكر التكفيري، أن ما يتعرض له العراق غزو واستهداف يراد منه القضاء على الإسلام، فكانت تلك البيئة مهيأة للتأثر بفكر القاعدة وما كان يتحدث به أسامة بن لادن وأيمن الظواهري من أفكار متطرفة، ولذلك بايع أبو عمر البغدادي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.
ومثال آخر على انضمام البعثيين المسرحين من أعمالهم العسكرية إلى التنظيمات الدينية المتطرفة، الضابط البعثي سمير عبد محمد الخليفاوي الملقب بحجي بكر، وهو عقيد سابق في مخابرات القوات الجوية في عهد صدام، وقد انضم إلى تنظيم أبي مصعب الزرقاوي 2004م ثم سجن 2006م إلى 2008م في سجن أبي غريب وبوكا، والتقى بأبي بكر البغدادي في السجن ووضع معه المخطط الاستراتيجي لإقامة ما أسمياه دولة إسلامية، وكان لهذا الضابط البعثي الصارم الملقب بـ«رجل الظل» الذي سرعان ما تحوّل إلى متشدد دينياً – على الأقل في الظاهر – أثر كبير في قيادة التنظيم المتطرف؛ ولكنه من جانب آخر لم يتناس بعثيته السابقة، فتولى التنسيق مع نظام البعث السوري في السر بعد استقطابه من قِبل المخابرات السورية، لاحتواء الفصائل الثائرة على نظام بشار أواخر 2011م، ومن أهمها «جبهة نصرة أهل الشام» بزعامة أبي محمد الجولاني، ونجح في اختراق التنظيم وضمه إلى تنظيم أبي بكر البغدادي باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ولكنهما انفصلا لاحقاً بعد اكتشاف الجولاني اختراق تنظيم البغدادي؛ مما دعا الأخير إلى إعلان نفسه خليفة على المسلمين كما زعم عام 2014م.
هذا سياق تاريخي سريع ومبسط لإبانة أن البيئة الفاسدة الخربة تنشئ بطبيعتها ردود فعل خربة فاسدة أيضاً، تزيد الطين بلة وتعمق أسس الدمار والفرقة، وتفتح الأبواب واسعة لتوليد مئات الجماعات والفصائل المتنازعة التي تدعي كل جماعة منها أنها الأكثر تقوى وصلاحاً، والأصدق وطنية وإخلاصاً، وهكذا يجمع «عش الدبابير» الذي تخلق في بلدي الفوضى العراق وسوريا، عشرات الآلاف ممن اجتذبهم الخطاب الديني المتطرف الذي رفع شعارات براقة واندفع خلفها الشباب المراهق ذوو العاطفة الفوارة غير المنضبطة، كما رأينا نهايات مأساوية لشبان وشابات لا تتجاوز أعمارهم العقدين، يُدفع بهم إلى الانتحار بتفجير أنفسهم وقتل من يكفرهم تنظيم «داعش» من المسلمين أنفسهم وغيرهم من الديانات الأخرى.
ولئلا يعود فكر «داعش» من جديد بعد اقتراب هزيمته الكلية؛ لا بد من ردم مستنقع الفوضى الذي تتخلق فيه الأفكار المتطرفة المدمرة.

نقلا عن الجزيرة