د. محمد العوين

لماذا انقلبت قطر من السلفية إلى الإخوانية؟! 2-2

لم يكن انقلاب الابن على أبيه رغبة في الوصول إلى كرسي الإمارة الصغيرة فحسب؛ بل كان خطوة لتغيير واقع الإمارة المنزوية بين مياه الخليج العربي والتي ليس لها إلا منفذ بري واحد فقط على المملكة، وكان طموح الشيخ حمد أن تتمدد الإمارة الصغيرة في الجزء الشرقي من المملكة وربما إلى عمق نجد، وقد تكشفت تلك الأحلام الخيالية الغريبة الحمقاء في مسألتين؛ الأولى: إنشاؤه جامعاً كبيراً في الدوحة صمم على الطراز النجدي وأولاه عناية خاصة واهتماماً بالغاً وأطلق عليه اسم الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – واستقطب للخطابة فيه يوم الجمعة شخصيات دينية يغلب على كثيرين منهم التأثر بمنهج جماعة الإخوان المسلمين، وقد كان إنشاء هذا الجامع باسم ابن عبد الوهاب والنشاط الدعوي المصاحب له مثار تساؤل عن الغاية التي يرمي إليها حمد بن خليفة مع أن الانقلاب على الأب لم يكن ذا جانب سياسي فحسب؛ بل كان انقلابا على منهج قطر الديني، فقد كانت قطر وعلى مدى السنوات الطويلة الماضية سلفية المنهج متأثرة ومستفيدة من علماء وقضاة المملكة، ولا يكاد أي متابع أن يلحظ اختلافا صغيرا أو كبيرا في الرؤية الدينية والسياسية بين قطر والمملكة، بل كانت قطر هي من تطلب من المملكة إيفاد القضاة والعلماء ليتولوا مناصب القضاء والخطابة والإشراف على التعليم، ونتذكر بهذه المناسبة الشيخ الجليل محمد بن مانع الذي تولى القضاء والتدريس والخطابة في جامع الدوحة لمدة ثلاثة وعشرين عاما، وهو من وضع المناهج التعليمية للمدارس القطرية وتخرج على يديه طلاب علم كثيرون، ثم أوفدت المملكة الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود أحد أبناء مدينة حوطة بني تميم إلى قطر استجابة لطلبها بعد عودة الشيخ محمد بن مانع إلى المملكة فتولى الشيخ عبد الله بن محمود رئاسة المحاكم الشرعية في قطر وطلب من رفيقه في طلب العلم الوالد – رحمه الله – أن يفد إلى قطر ليتولى إمامة جامع الدوحة الكبير والخطابة فيه فقام بهذه المهمة ثلاث سنوات من عام 1387هـ إلى 1389 إبان حكم الشيخ أحمد بن علي آل ثاني.
لم يكن انقلابا سياسيا للوصول إلى السلطة؛ بل كان انقلابا شاملا في الحياة الفكرية وبداية لتحقيق المشروع الكبير الذي يحلم به الابن الثائر على أبيه؛ وهو «دولة قطر الكبرى» ولن يتحقق هذا المشروع الخيالي الحالم إلا بهدم دولة الجزيرة العربية الكبرى التي تهيمن على شبه الجزيرة العربية وهي المملكة، ولكن كيف يمكن أن يصل إلى تحقيق ذلك الحلم الخيالي البعيد؟!
كان تأثير جماعة الإخوان المسلمين في دول الخليج العربي كبيرا جدا بعد التضييق عليهم في مصر إبان حكم الرئيس جمال عبد الناصر ومطاردتهم وهجرتهم إلى الدول العربية ومنها دول الخليج، وكما حدث في المملكة من مزاحمة منهج جماعة الإخوان للمنهج السلفي في التعليم والتثقيف حدث في قطر؛ فأصبح المنهجان في حالة تنافس وتزاحم وتبين ذلك في فترة حكم الشيخ خليفة بن حمد؛ لكن الابن حين انقلب على أبيه رأى أن التغيير يبدأ من الانقلاب على المنهج السلفي الذي جاء من علماء وقضاة المملكة ورأى في فكر جماعة الإخوان المسلمين خير من يناهض الفكر السلفي السعودي وخير من ينهض بمهمة التأسيس لتكوين مفهومات التغيير والثورة في أجيال الشباب من أبناء قطر وغيرهم ممن يمكن استقطابهم من أبناء المملكة والخليج، وكان يوسف القرضاوي -على سبيل المثال- من أبرز الأسماء التي هاجرت إلى قطر في وقت مبكر واستقرت فيها، فقد هرب من مصر عام 1961م ووجد في قطر الفضاء المفتوح لغرس بذور الفكر الإخواني في التربة القطرية البكر، ولم تغب عن بال حمد بن خليفة قطف ثمار ما زرعه القرضاوي في التربة القطرية وما يمثله أيضاً من وزن في تاريخ ومسيرة الجماعة فعزم على أن يتخذ منها أداة من أدوات التغيير في المنطقة.. يتبع

نقلا عن الجزيرة