د. زهير الحارثي

ماذا بقي من لبنان… الحلقة تضيق يا سيد!

ماذا بقي من لبنان… الحلقة تضيق يا سيد!

المشهد السياسي اللبناني متأزم، وأجواؤه مليئة بالاحتقان السياسي والشعبي؛ خصوصاً في ظل التدهور الاقتصادي والأمني والسجال السياسي والتراشق الإعلامي. تزامن معه قدوم تلك الفاجعة وذلك الانفجار المرعب الذي رسم ملامحه على تراب بيروت. مشهد هز العالم، ومنظر تقشعر له الأبدان. الصورة التي ملأت الفضائيات في كل العالم تعليقاً وتفاعلاً وألماً وذهولاً، ستبقى عالقة في الذهن لفترة طويلة من الزمن؛ كونها عكست انهيار دولة بكل مقوماتها ومؤسساتها وأجهزتها.
السؤال الكبير الذي يطرحه الجميع: من المسؤول عما جرى ويجري في لبنان، وهل سيحاسب؟ لماذا ارتبطت كوارث لبنان ومآسيه بأفعال وقرارات ميليشيا «حزب الله»؟ ما الذي بقي لم يفعله «حزب الله» في لبنان من جرائم وكوارث وأزمات؟ ما هو السر في تدمير بلد بمكانة لبنان وتاريخه، عبر مجموعة تدين بالولاء لنظام دولة أخرى؟ كيف نفهم الاستهانة بحياة الناس والاستهتار بالنظام، والهيمنة على مقدرات شعب، وإخضاعه لإملاءات المتربص والطامع والحاسد؟ ما علاقة «حزب الله» بتصنيع وتخزين مواد كيميائية قاتلة وقابلة للتدمير (كما حدث في مرفأ بيروت) من مادة نيترات الأمونيوم، وارتباطها بأحداث موثقة في ألمانيا وبريطانيا وقبرص تورط فيها الحزب؟ وكيف يمكن تخزين قنبلة بهذا الحجم المهول في مكان لصيق بمنطقة سكنية، وتترك كل هذه السنين كقنبلة موقوتة؟ ولمصلحة من؟
ثمة عبارة ترددت في الآونة الأخيرة: لبنان على حافة الهاوية، لتعكس عمق الأزمة في لبنان الدولة. طبعاً سيطرة «حزب الله» على الحكومة سبب مفصلي في تردي الحال، بدليل تعريض لبنان لعقوبات اقتصادية، وفي طريقه ليصبح دولة فاشلة، كما قال الوزير المستقيل ناصيف حتي في بيانه اللاذع لحكومة دياب. الاستقالة لها دلالة في أن هذه الحكومة ساقطة قانونياً وأخلاقياً في أعين اللبنانيين؛ كونها دولة مختطفة بكامل مؤسساتها الدستورية.
«حزب الله» هو ابن شرعي للثورة الإيرانية، وإيران دعمت «حزب الله» مالياً وسياسياً ومعنوياً؛ حيث أرسل الخميني عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني إلى لبنان لبناء «حزب الله» عسكرياً، وإنشاء قناة المنار. المتأمل لأسباب أزمات المنطقة وصراعاتها، يجد أن خيوطها عادة ما تنطلق من الضاحية وطهران، ما يكشف علاقتهما بالمشروع التدميري للمنطقة، ليصبح لبنان غرفة عمليات للحزب، ومنصة تهديد إقليمي.
حسن نصر الله يقول بأنه دائماً يقول إنه لا يؤمن بالتحريض الطائفي، ويلتزم بالحرص على البلد والوحدة الوطنية، وبالعلاقة السليمة والأخلاقية بين جميع مكونات الشعب اللبناني ومذاهبه. كلام جميل، ولكن هل يستقيم هذا مع لغة التهديد والوعيد والقتل، فضلاً عن رفضه للخيارات المطروحة من تسويات ومساعٍ وجهود، ووضع إملاءاته وشروطه وكأنه الحاكم الأوحد والزعيم الملهم؟ ما يفعله حسن نصر الله هو انقلاب سياسي على الشرعية، وتنفيذ أجندة لقوى خارجية على حساب الوطن اللبناني. خطاباته دائماً لا تخلو من تصعيد واتهامات وتهديدات مبطنة، واليوم وبعد كل ما جرى يشعر نصر الله في قرارة نفسه بأن ساعة الصفر قد حانت، ما يفسر لنا القلق وجرعة التوتر السياسي والطائفي.
ورغم الدموع والحزن والألم، يرقب لبنان وعلى مسافة أيام قرار العدالة بحق المجرمين الذين اغتالوا لبنان عشرات المرات. إنه الحزب ولا شيء غير الحزب. جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري فضحتهم، وجاءت قنبلة المرفأ لتؤكد عمق كارثة «حزب الله» في عدم اكتراثه بالشعب اللبناني، وعدم التزامه بما يطلب منه، فمصلحة الخارج تسبق مصلحة لبنان. الحزب أصبح منظمة إرهابية في الولايات المتحدة، وأكثر دول أميركا اللاتينية، وكندا، وهولندا، وبريطانيا، واليابان، والسعودية، والبحرين، والإمارات، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وانضمت ألمانيا مصنفة الميليشيا اللبنانية منظمة إرهابية، وأن أنشطتها تُعاقَب عليها قانونياً.
الأسبوع القادم سيصدر قرار المحكمة من أجل العدالة، ووفق الآلية القانونية المتبعة سيكون لمجلس الأمن الدور الفعلي في تنفيذ القرار القضائي، ويضع «حزب الله» تحت المساءلة الدولية، وسيضطر معه الحزب إلى تسليم المتهمين الأربعة، وفي حالة رفضه فسيكون عرضة تحت طائلة العقوبات الدولية لمعارضته القرار الأممي تحت الفصل السابع.
الحزب يعلم يقيناً مضامين الحكم، وردة الفعل لن تكون مستغربة، وهو الخبير بخلق الفوضى وبعثرة الأوراق والتشويش وإثارة الفتنة الطائفية. مأزق حقيقي وغير مسبوق يعيشه الحزب اليوم، يهدد ما بقي من مكانته كحزب سياسي مشارك في السلطة؛ خصوصاً وقد سبق أن انهارت مصداقيته ومشروعية دوره كحزب مقاومة، عندما أدار وجهة سلاحه للداخل، بدلاً من العدو المجاور.
الحلول قادمة، والمواجهة لا بد أن تحدث، وقلوبنا مع لبنان وشعب لبنان، بدليل استشعار المجتمع الدولي خطورة ما تفعله إيران و«حزب الله» هناك، وهو ما دفع الأصوات إلى أن تطالب بإلغاء الدور السلبي للحزب، وأهمية تعزيز السلام في العالم، وذلك باللجوء لمواجهة أذرع إيران المنتشرة في عالمنا العربي.
الأيام القادمة في لبنان لن تكون كما كانت قبلها، وتداعياتها الوخيمة ستلقي بظلالها على المشهد برمته؛ لأنه ليس منطقياً أن العالم كله يُحارب الإرهاب في حين يظل «الحرس الثوري» وميليشيا «حزب الله» يعبثان بالسلم العالمي، وفقاً لأجندة نظام ولاية الفقيه.

نقلا عن الشرق الأوسط