عبدالحميد العمري

صناديق الاستثمار العقارية المتداولة

دشنت السوق المالية السعودية مطلع الأسبوع الجاري، أول صندوق استثمار عقاري متداول، أدرج ضمن قطاع صناديق الاستثمار العقارية المتداولة، تتركز استثمارات هذا المنتج الحديث العهد محليا في قطاعات عقارية متنوعة. إجمالا؛ تعد خطوة جيدة في سوق الاستثمار المحلية في الأجل الطويل، دون النظر إلى ما قد يتعرض له ذلك النوع من صناديق العقار في الأجلين القصير والمتوسط من مخاطر انخفاض أسعارها، نتيجة الركود الشديد وتصحيح الأسعار الخاضعة لهما السوق العقارية خلال الفترة الراهنة.

ذلك أنها تضيف تنوعا مهما إلى خيارات الاستثمار محليا بشكل عام، وتسهم في زيادة تنويع الأصول المتداولة في السوق المالية إلى جانب كل من الأسهم والصكوك والسندات، عدا مساهمتها في توفير فرص استثمارية مجدية، تهم شريحة واسعة من المهتمين بالاستثمار في السوق العقارية، أخذا في الاعتبار التوضيح المهم فيما سيأتي من المقال، والتأكيد هنا على أنني لا أقدم توصية بالاستثمار في تلك الصناديق من عدمه، وأهمية إيضاح الصورة شاملة للعموم، وتناول أكبر قدر ممكن من أبعاد واحتمالات الفرص والمخاطر المرتبطة بهذا النوع من الصناديق، وكونها ستعمل في سوق تخضع اليوم لتطورات مهمة، بدأت آثارها تنعكس بقوة على النشاط العقاري المحلي، وعلى أسعار الأصول العقارية المختلفة كما سيأتي ذكره.

بداية؛ عرفت التعليمات الخاصة بصناديق الاستثمار العقارية المتداولة لهيئة السوق المالية، بأنه صندوق استثمار عقاري مطروح طرحا عاما تتداول وحداته في السوق، يتمثل هدفه الرئيس في الاستثمار في عقارات مطورة جاهزة للاستخدام، تشمل العقارات السكنية والتجارية والصناعية والزراعية، داخل المملكة وخارجها بشرط ألا تتجاوز نسبة الاستثمارات خارج المملكة 25 في المائة من إجمالي أصول الصندوق، تكون قابلة لتحقيق دخل دوري وتأجيري، تتولى إدارة الصندوق توزيع ما لا يقل عن 90 في المائة من صافي أرباح الصندوق نقدا على مالكي وحدات الصندوق خلال فترة عمله، والتزامها بذلك بشكل سنوي بحد أدنى.

ولتحقيق ذلك ألزمت إدارات تلك الصناديق العقارية بشروط عديدة، كان من أهمها ألا يقل الحد الأدنى لرأس مال الصندوق عن 100 مليون ريال، بقيمة اسمية للوحدة عند الطرح تبلغ عشرة ريالات للوحدة الواحدة، وألا يقل عدد مالكي الوحدات من الجمهور عن 50 مالك وحدة، وألا تقل نسبة ملكية الجمهور عن 30 في المائة من إجمالي الوحدات. كما على إدارة الصندوق التزام سياسة استثمار لا تقل بناء عليها نسبة الاستثمارات في عقارات مطورة مدرة لدخل دوري عن 75 في المائة من قيمة الأصول، وعدم جواز الاستثمار في الأراضي البيضاء، والسماح باستثمار ما لا يتجاوز 25 في المائة من أصول الصندوق في التطوير العقاري، وألا يتجاوز اقتراض الصندوق 50 في المائة من إجمالي أصوله.

يهمنا جميعا بعد كل ما تقدم إيضاحه أعلاه، الحديث في مطلع هذه التجربة الجديدة للصناديق العقارية المتداولة عن ثلاثة جوانب مهمة جدا، على أنه سيعود الحديث عنها مستقبلا بمشيئة الله تعالى، وفق تطورات الاقتصاد والسوق عموما، ووفق نتائج أداء تلك الصناديق الاستثمارية.

الجانب الأول: أهمية تدشين هذا المنتج الاستثماري الجديد، وكونه إضافة مهمة إلى خيارات الاستثمار المحلي، تحديدا لصغار المستثمرين، الذين لم تتجاوز نسبتهم كمشتركين في الصناديق العقارية العامة حتى منتصف العام الجاري، أعلى من نسبة 2.3 في المائة من إجمالي المشتركين بالصناديق (5267 مشتركا فقط)، ومحدودية الصناديق الاستثمارية العقارية التي لم تتجاوز نسبتها لإجمالي الصناديق الاستثمارية العامة 3.6 في المائة (10 صناديق عقارية فقط)، بأصول استثمارية لا تتجاوز نسبتها 4.7 في المائة من إجمالي أصول الصناديق (4.2 مليار ريال). على عكس المتاح لكبار المستثمرين العقاريين في الصناديق العقارية الخاصة للفترة نفسها، البالغ عددهم 2139 مستثمرا (60 في المائة من المشتركين في الصناديق الخاصة)، وصلت قيمة استثماراتهم فيها إلى 44 مليار ريال (57 في المائة من إجمالي أصول الصناديق الخاصة)، ووصل عدد الصناديق العقارية الخاصة إلى 104 صناديق عقارية (41.4 في المائة من إجمالي الصناديق الخاصة).

الجانب الثاني: أن توافر مثل هذه الصناديق العقارية المتداولة، التي تمتاز بصغر حجم الاستثمار اللازم، وانخفاض تكلفة وحدته، إضافة إلى سرعة سيولته مقارنة بالسوق العقارية التقليدية، ومقابل الركود الكبير المخيم على سوق العقار الآن، سيسهم في زيادة اجتذاب جزء كبير من سيولة المضاربين في الأراضي تحديدا، الذي سيطفئ بدوره من اشتعال أسعار الأراضي، التي لعبت المضاربة عليها طوال الأعوام الأخيرة أدوارا خطيرة في زيادة ارتفاع أسعارها، ليعيد تنظيمها تحت رقابة صارمة من هيئة السوق المالية. يحمل هذا التطور المهم نتائج عديدة؛ لعل من أبرزها أن زيادة أعداد الصناديق العقارية المتداولة، ونجاحها في استقطاب أكبر قدر ممكن من سيولة مضاربي الأراضي، سيسهمان إضافة إلى بقية العوامل الأخرى الضاغطة الآن على أسعار الأراضي في سرعة انخفاضها مستقبلا، سينعكس أثره على تقييم بقية المنتجات العقارية، بما فيها الأصول المملوكة للصناديق العقارية المتداولة! لتحتل آليات السوق (العرض والطلب) موقعا متقدما تجاه التقييم العادل لقيمة العقارات، عوضا عن الفوضى العارمة التي سادت لفترة طويلة سابقا، وقف وراءها تحقيق مصالح ضيقة لتجار أراض ومضاربين وسماسرة، دون النظر إلى أي عوامل اقتصادية ومالية سائدة، أو للآثار السلبية على الاقتصاد والمجتمع الناتجة عن سلوكيات قامت فقط على جشع وطمع بالغي الإفراط.

الجانب الثالث: نتيجة لما تقدم ذكره في الجانب الثاني تحديدا، قد يرى صغار المستثمرين المهتمين حديثا بالاستثمار العقاري من خلال تلك المنتجات الجديدة، منح أنفسهم فترة زمنية كافية لمراقبة أداء تلك الصناديق العقارية المتداولة، وانتظار ما ستسفر عنه التحولات الكبيرة التي تخضع لها السوق العقارية المحلية في الوقت الراهن، وحتى يتوافر أكبر عدد ممكن من تلك الصناديق العقارية، يمكن بناء عليه مقارنة أدائها، والاطلاع أيضا على أنواع ومواقع العقارات التي تمتلكها، ومن ثم اتخاذ القرار الأنسب بالاستثمار من عدمه، وأي صندوق يمكنه الاستثمار فيه، إذا ما جاء القرار لمصلحة العزم على الاستثمار. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الإقتصادية”