عقل العقل

«أبوحنيك».. مغامرات بريطاني في بلاد العرب

كتاب «مغامرات بريطاني في بلاد العرب» لمؤلفه جون غلوب وترجمة المبدع عطية بن كريم الظفيري، يقدم صورة معمقة للحالة السياسية والاجتماعية وثقافة القبائل في العراق وبعض المناطق العربية في الخليج العربي بداية القرن الماضي، عندما كان العراق يرزح تحت الانتداب البريطاني والصراعات السياسية في الجزيرة العربية، وكان هناك تشكل وظهور للدولة الوطنية في العالم العربي بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
في مقدمته يقول المترجم: المؤلف هو الجنرال جون غلوب (John Glubb) أو غلوب باشا أو أبوحنيك (1897-1986)، هو شخصية مثيرة للجدل وارتبط تاريخياً بالمشرق العربي في تلك الفترة المهمة في التاريخ العربي المعاصر، وفي نهاية الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها غلوب باشا ضد ألمانيا أصيب بشظية حطّمت فكه السفلي، لذا لقبه البدو بـ«أبوحنيك»، وهو اللقب المحبب لديه ولدى البدو، وبعد تعافيه بعد سنة من تلك الإصابة نقل للخدمة في العراق كضابط استخبارات في سلاح الجو البريطاني.
ويضيف المترجم عطية الظفيري، أن غلوب باشا أحب العرب وأحبوه، وانجذب إلى ثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم، ولا تزال هذه الشخصية مثيرة للجدل للأدوار التي قام بها في دهاليز السياسة وخدمة بلاده في منطقة كانت في طور التشكّل وساحة للصراعات السياسية بين القوى الاستعمارية في تلك الفترة الحرجة في العراق والجزيرة العربية وشرق الأردن وسورية وفلسطين.
ما استوقفني كثيراً في هذا الكتاب قضيتان سأعرض لهما في هذه المقالة، الأولى نظرة المؤلف إلى كيفية إدارة الصراعات القبلية من بريطانيا وتوصيفه لما كانت تقوم به الإدارة العثمانية في هذا الشأن قبل احتلال بريطانيا للعراق، والقضية الأخرى توصيفه ورؤاه لأخلاقيات البدو ومقارنتها بأخلاقيات الحضر والمزارعين والبدو من رعاة الأغنام والذين يستقرون على ضفاف الفرات في فترات الصيف ويرحلون إلى داخل الصحراء أوقات الربيع ونزول الأمطار، والقضية المثيرة أنه يعتقد أن بعضاً من أخلاق طبقة النبلاء في أوروبا الغربية أصولها بدوية ووصلت إليهم من طريق العرب في إسبانيا أثناء وجودهم هناك.
ويورد «أبوحنيك» تجربته مع قائم مقام بلدة «عانة» التابعة للواء الدليم حميد بك وكيف يدير هذا الإداري المفعم بالحماسة العرب فيها من أهالي عانة الطيبين، ويشير إلى نوعين من الإدارة: الإدارة الأبوية أو البطريركية، أو الإدارة البيروقراطية، ويقول إن حميد بيك يمثل النوع الثالث من الإدارة العثمانية القديمة وكأنه صورة نمطية للمسؤول التركي الذي يبدي استياءه من جهل الناس في مجتمعه، بل إنه أشار في حديث محتدم مع المؤلف مراراً إلى أهل عانة بأنهم كلاب وحيوانات ونصحه بعدم التحدث معهم، ولكن «أبوحنيك» لم يصغ له، ويصف عانة بأنها في تلك الفترة (عشرينات القرن الماضي) تتمتع بمعايير الضيافة العربية، ويقول إنه لا يوجد فيها مطاعم أو فنادق، إذ كانت كل أسرة تفتح بيتها لاستقبال الضيوف وبمجرد ظهور أي شخص غريب فإنه تتم دعوته لكي يكون ضيفاً لأول صاحب منزل يقابله في الطريق، ويضيف المؤلف أن رد فعل القائم مقام كان متناغماً مع رد فعل الإدارة العثمانية منذ قرون عدة، فالقبائل لم تطع الحكومة، وبالتالي يتعين تدميرها، إذ كانت مصالح القبائل والحكومة على طرفي نقيض، ومن ثم فإن الولاء للحكومة يعني العداء للقبائل.
ويؤكد جون غلوب في تجربته والأيام التي قضاها في «عانة» أن حميد بك من المسؤولين الموثوق بهم، ولكنه يزدري أهلها لأنهم لا يعرفون الفرنسية ولم يزوروا إسطنبول، وقد قرر انتهاج طريق القسوة في حكمه ونجح في ذلك، ويتساءل «أبوحنيك» في مسألة إدارة القبائل العربية في تلك الحقبة ويقول إن العثمانيين وحلفاءهم من العرب الذين خدموا معهم كانوا يفتقرون إلى المنظور الإيجابي، وبما أن القبائل غير منضبطة فيجب تدمير سلطتها، ويميل إلى أن قيادة الغرب الذي هو من رجالها كانت مؤيدة للقيادة الإيجابية والتخفيف من الإكراه، ولكنه يشكك في نجاح إدارته في ذلك، بسبب أن النظام الديموقراطي في تلك الفترة يقدم رجال السياسة ولا يقدم رجال الدولة.

نقلا عن الحياة