عقل العقل

«الخيانة الإلكترونية» وارتفاع نسبة الطلاق

أظهر التقرير الشهري لوزارة العدل لشهر ذي القعدة من العام الماضي (1439)، أنه تم تسجيل 10 آلالف حالة زواج، قابلها خمسة آلاف حالة طلاق للشهر نفسه، أي أن نسبة الطلاق للشهر ذاته وصلت إلى 50 في المئة، وهذه نسبة مرتفعة بكل المقاييس وتؤكد بشكل واضح أن هناك خللا كبيرا لدينا في مفهوم الزواج، أو على الأقل أن هناك تغيرا في النظرة الاجتماعية للزواج وما يترتب عليه من نهايات مؤلمة لجميع الأطراف (الزوج والزوجة والأطفال)، وفي النهاية المجتمع الذي تكون الأسرة أساسه وعاموده الصلب في كل المجتمعات، وهذا لا يعنى سلب أحقية الطلاق من أي طرف متضرر في هذه العلاقة وهو مشرّع في جميع الأديان والقوانين، ولكن أن تصل نسبته إلى النصف فهناك خلل كبير في مفهوم الزواج لدينا، وأن هناك ظروفا ضاغطة ومتغيرة في مجتمعنا، وباعتقادي أن هناك نقصا واضحا، خاصة من الجامعات لدراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها الحقيقية وتقديم الحلول الواقعية لها، إذ لم أسمع يوما عن وجود كراسي علمية متخصصة لمثل هذه القضايا الملحة لما لها انعكاسات خطرة على المجتمع.

نسمع في كل مرة من بعض الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين عند صدور مثل هذه الإحصاءات الصادمة عن أسباب مكررة وغير محددة عن أسباب الطلاق بهذه النسبة، فالبعض يشير إلى سهولة الطلاق بين الأزواج ولا يوضح لنا لماذا يسلك البعض هذا السلوك في قرار مهم لكل إنسان، أو أن قيمنا الدينية والأخلاقية تدعو إلى الصلح والمسامحة، ولكن الطلاق في ارتفاع.

بعضنا يطرح حلا غير واقعي بأن مثلا تقوم الجهات الرسمية بوضع برنامج يطلق عليه «خاطب» مشابها لبرنامج «سمة» الاقتصادي الذي يبحث في الأوضاع المالية والالتزام بتسديد ما عليه من قروض في حالة طلب قرض جديد، ولكن لا أفهم كيف يمكن أن يطبق على حالات المقبلين على الزواج ومعرفة خلفياتهم والمشاكل النفسية والسلوكية التي يعانون منها مثلا، أو إذا كان ذلك الرجل أو تلك المرأة بخيلة أو عندها ثقافة تمنعه أو تمنعها من الخيانة الزوجية مثلا، مثل هذه الأطروحات فيها عدم واقعية وسذاجة، في حين أن البعض يبارك خطوة المركز الوطني (قياس) لتبنيه مشرع مؤشر لقياس الاستعداد الأسري، وهو على كل حال تجريبي ولا أعتقد أنه عملي، وكلنا مثلا يتذكر فحص الزواج والذي له أهمية كبيرة في سلامة وصحة الأطفال من زواج أفراد محددين قد ينتج عنها أمراض محددة، أو أن أحد طرفي مشروع الزواج يحمل مرضا معدياً خطرا، ذلك المشروع جوبه بالرفض في البداية ولم يعمل به إلا بعد أن أصبح إلزاميا، فكيف ببرنامج قياس للاستعداد الأسري؟

بعض المواقع العربية والأجنبية أرجعت نسبة الطلاق لدينا إلي مفهوم جديد لأول مرة أسمع به وهو «الخيانة الرقمية» بين الأزواج، وذلك بسبب كثرة وإدمان البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، وحقيقة لا أستطيع تأكيد دقة هذه المعلومة أو نفيها ولكنني أميل إلى أنها جزء من الأسباب «الهروبية» من معالجة أسباب المشكلة الحقيقية، والتي برأيي تتلخص في أن أغلب المقبلين على الزواج يركز على شكل ووسامة الطرف الآخر في مؤسسة الزواج حتى ولو كان أو كانت لا تتمتع بتلك الإضافة، ويضع الشروط التعجيزية فقط في الشكل بغض النظر عن شخصية وفكر ونظرة الآخر للحياة وما بها من سعادة وتعاسة كما هي طبيعة الحياة، إضافة إلى أننا مررنا بحالة من العزل الاجتماعي بين الرجل والمرأة بدأت الآن بالزوال، والتي تؤسس لبناء علاقات سوية بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا، أما الهروب إلى وسائل التواصل الاجتماعي وبناء علاقات خفية فهو نتيجة لأساس خاطئ في العلاقة وهروب البعض من جحيم العلاقة الواقعية.

نقلا عن الحياة