عقل العقل

ثقافة الموبايل في مجتمعاتنا

مهما ادعت النخب العربية «سطحية» ثقافة الموبايل بكل وسائطه وكم المعلومات المأهولة التي تصلنا عن طريقه إلا أنها منخرطة فيه بامتياز.

قد يرى البعض أن معلوماته تميل إلى التسطيح والقشور وتناقش أفكاراً بسيطة وفي بعض الأحيان ساذجة، بل إن القراءة التقليدية عند البعض ليست للمعرفة التراكمية والمنتجة للوعي الفكري، بل أصبح الهدف منها هو التقاط بعض الأفكار من تلك الكتب للتغريد بها أو نشرها على الوسائط الأخرى، بهدف تميّز لحظي عابر في تلك المنصات، أو لزيادة عدد المتابعين.

نجد بعض المثقفين في كتبهم أكثر جرأة في نقد ما يدور حولهم من قضايا، بل يصل البعض منهم إلى تقديم أفكار جديدة قد تصطدم بالثقافة السائدة في مجتمعاتهم، ولا تتوقف مشاريعهم الفكرية مهما كانت غريبة، ولكن نجد بعض هؤلاء في المنصات الإعلامية الجديدة الطاغية على مشهدنا يتخوفون من الصدح بأفكارهم المخالفة للسائد في هذا المشهد، إما خوفاً من فقدان المتابعين مثلاً على توتير، أم هي نزعة إنسانية تلبي نرجسية البعض كلما ارتفع العدد بغض النظر عن محتوى ما يبثه المثقف.

كلنا قرأنا عن العزلة التي تعيشها النخب في عالمنا العربي قبل هذه الثورة المعلوماتية، الآن أصبح المثقف في تماس مباشر مع الجماهير تحتفي به أو تحقره أو تزداد عشقا له أو العكس، لا شك في أن هذا الحراك التفاعلي في مشهدنا الثقافي والاجتماعي والديني هو تطور إيجابي، ولكن نحتاج إلى نخب هي تقود الجماهير بأفكارها الجريئة ولا تنقاد وتتنازل عن رؤاها بسبب سطوة عدد المتابعين أو حب الظهور والتميز في القروبات.

في محتوى هذه المواقع تمثّل الصورة، سواء الثابتة أم التي على شكل فيديوات، أهمية كبيرة لدى المتداولين، ولكنها صور عابرة في الغالب تنحصر وتكثر في مواضيع التابوهات الاجتماعية، خاصة في موادها الجنسية، سواء المباشرة أم ما ترمز له في هذا السياق، وهذه مواد لحظية عابرة لا تخلق وعياً أو تفكيراً مستقلاً لدى المتابعين، المهم المتعة اللحظية، ويلاحظ أن المواد التي تبثها الجماهير هي المسيطرة على المثقفين وليس العكس إلا فيما ندر، مثل بعض المقاطع المترجمة باحترافية عالية ومدتها معقولة يكون لها انتشار كبير، أما ما يطلق عليه «السلفي» فيبدو أن موجة حماها قد بدأت تخف قليلاً، وهذه على العموم كانت موظفة بشكل فعال من لدن التيارات الإسلاموية.

لن أدّعي بأنني بعيد عن هذا المشهد «الموبايلي» الثقافي، بل على العكس، أنا غارق فيه حتى الثمالة، ولكن لحظات محاسبة تنتابني في بعض الأمسيات مثل إضافة إلي أو أضفت أنا للآخرين من المعرفة من هذا المحتويات المتداولة، وفي الأغلب لا أتذكر شيئاً ذا قيمة يطفئ الظمأ، هل الخلل فينا أم هشاشة المعلومات التي تقترب إلى النمط الاستهلاكي السريع الاستعمال ومن ثم التخلص منها من دون فائدة حقيقة، ومن ثم البدء في البحث عن منتج استهلاكي معرفي آخر؟ لن أتحدث عن كمية النصائح المغلفة بلباس ديني أو موروث اجتماعي والتي تصورنا خلف شاشات جوالاتنا بالملائكة وأن نطلب من الآخرين أن يكونوا مثلنا والويل والثبور على من خرج على هذه الانساق النمطية التي لا توجد إلا في المجتمعات المثالية وضاربة في عمقها التاريخي.

نقلا عن الحياة