عقل العقل

مجموعات «واتساب» التافهة!

باعتقادي أن مجموعات «واتساب» ظاهرة إيجابية في العالم الرقمي، ومن الأدوات المهمة في الحوار ونشر المعرفة في المجتمعات الإنسانية، على رغم ما تواجه به من الرفض من البعض، بسبب محتواها الذي قد يكون هابطاً في بعض تلك التجمعات الرقمية، والسؤال المطروح: هل مثل هذا السبب كافياً لمقاطعتها ومحاربتها والخروج منها؟

مجموعات هذا التطبيق يرى البعض أنها مضيعة للوقت، وفيها اقتحام للخصوصية، ولكن في حال مجتمعاتنا العربية التي عاشت مرحلة من احتكار المعلومة ومحاولة التحكم فيها يمكن أن نجد أهمية لها في هذه الظروف الاجتماعية والثقافية الراكدة، وهي كأي حال جديدة في عالم الاتصالات والمعرفة تمر بحال من الفوضى في الاستخدام وعدم الصدقية في محتواها الرقمي، ولكن هذا ليس دافعاً كافياً لمحاربتها والتقليل من أهميتها في التغير الثقافي والاجتماعي في مجتمعاتنا.

أتذكر أن حالا مشابهة من الالتباس والسلبية تجاه القنوات التلفزيونية الفضائية في بداياتها في التسعينات من القرن الماضي، إذ جوبهت بخطاب متشدد من بعض التيارات الدينية، تتلخص في أن تلك القنوات العابرة للحدود هي غزو ثقافي سيضرب هويتنا الدينية، وبعد مرور مرحلة معينة لم يحدث ما هولت منه تلك الجماعات، بل ان رموزها أصبحوا مرابطين بالساعات على شاشاتها، وللحقيقة والانصاف كانت بعض تلك المحطات التلفزيونية تحمل رسائل ذات مضامين ضيقة وخطرة، خصوصاً فيما يتعلق بخطابها المذهبي والقبلي مثلاً، وللغرابة أن أصحاب تلك المشاريع الإعلامية لم يكونوا من خارج منطقتنا العربية، بل هم منا وفينا. تجربة الانفجار التلفزيوني الفضائي استمرت وتم الفرز في تلك التجربة، وبقيت منها مؤسسات إعلامية كبيرة تحمل رسائل ومضامين مسؤولة تجاه مجتمعاتها.

مجموعات «واتساب» تعيش حالا مشابهة لما ذكرته من حال القبول والرفض في واقعنا الحالي، وما نقرأه عن بعض المشاكل في تلك المجموعات ولأسباب كثيرة، سواء من حيث المحتوى أم طريقة ضم الأعضاء من دون موافقتهم، بسبب جدتها وقلة التشريعات المنظمة لها حتى الآن، ولكن هذا لا يلغي أهميتها في مجموعات ذات طابع مهني مثلاً، ولكن طبيعة هذه المجموعات تسمح بإبداء الرأي لكل أعضاء المجموعة، والذي قد يتطور إلى نقاشات حامية حادة قد تصل إلى السب والشتم بين أعضائها، وقد تتطور الحال بالتهديد وتصل إلى أروقة المحاكم، وقد تصحو يوماً وتجد أن أحد منهم أضافك إلى مجموعة لا تشكل أهمية لك من حيث توجهها العام، فهي ليست عائلية أو جهة عمل أو مجموعة أصدقاء أو زملاء دراسة سابقين مثلاً، وإن قررت الخروج منها قد يعتقد بعض أعضاء القروب أن قرارك هذا هو رفض واستعلاء وفوقية تمارسها ضدهم، وقد تجد نفسك معزولاً اجتماعياً في أرض الواقع، والسبب له علاقة بهذه المجموعات.

طبيعة هذه المجموعات «الواتسابية» أنها تعبر في بعض أشكالها من حيث المحتوى عن الثقافة المسكوت عنها، وقد تكون خير أداة لمعرفة واقعنا وتفكيرنا الثقافي والاجتماعي، فقد نشهد اختلافات متباينة ومفجعة من طرح البعض فيها، ولكن هذا الاختلاف باعتقادي ميزة تحسب لها، فعلينا القبول بالرأي الآخر والنقاش بطريقة حضارية.

ما أثارني حول هذا الموضوع هو ما أبرزته إحدى الصحف المحلية لطبيب سعودي، يهدد برفع قضية أمام المحكمة ضد أحد الأشخاص (مدير المجموعة) الذي ضمه إلى أحد تلك «القروبات» من دون موافقته وعلمه، ووصف الطبيب طبيعة تلك المجموعة الرقمية بأنها «تافهة» وكثيرة الخزعبلات والثرثرة وتداول الإشاعات، ما تسبب في هدر وقته.

هل هو محق في ذلك؟ وهل تم الاعتداء على خصوصيته وذوقه من حيث طبيعة المحتوى، على رغم أنه لم يمض سوى ساعات مع ذلك «القروب»، أم أن السبب لتحركه القانوني هو لأسباب الشهرة مثلاً؟

نقلا عن الحياة