فهد الأحمري

الفهم السليم والسقيم

ما يؤسف له أن بعض أصحاب الخطاب الراديكالي يرون شخوصهم فوق النقد، فهم يرون أنفسهم مبجلين، كلهم مجتهدون، خطؤهم يثابون عليه مرة، وصوابهم يثابون عليه مرتين

وقف متحدث أمام مجموعة من مدمني الكحول وهو عازم على أن يبين لهم أن الخمر شر كبير، وضع أمامهم على المنصة إناءين يبدوان متماثلين، ووضع في كل منهما سائلا شفافا، أحد الإناءين كان فيه ماء نقي، أما الآخر فكان فيه كحول مركز، قام الرجل بوضع دودة صغيرة في إناء الماء، وشاهد كل الحاضرين الدودة وهي تسبح متجهة إلى أحد جانبي الإناء، بعد ذلك قام بوضع الدودة ذاتها في إناء الكحول، فتحللت أمام أعينهم، هنا تساءل المتحدث: ما الدرس الذي نتعلمه من هذه التجربة؟!
فرد عليه صوت آتٍ من مؤخرة الحجرة قائلا بوضوح «لقد تعلمت الآن أنه إن شرب أحدنا الكحول فسوف يقضي سريعا على ما بجسمه من ديدان»!.
تعجز العبارات أمام هذا الفهم المشوش للطرح الواضح، الفهم السلبي للشواهد الإيجابية. وقد لخص المتنبي هذا الفهم الغريب بقوله:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم
المعضلة هنا تكمن في أن أصحاب هذا الفهم دوما يقدمون مفاهيمهم على أنها حقائق دامغة، ولا تقبل النقاش أو حتى مجرد الاستيضاح والتثبت من المصدر صاحب الشأن. وعلى ضوء هذا الفهم يحكمون غيابيا على الطرف الآخر ويقوّلونه ما لم يقل، بل وفق ظنهم الذي معياره -تقديم سوء الظن- عمدا أو طبيعة مجبولا عليها. انتقدنا سابقا إقصاء السلفية المذاهب الأخرى مما ترتب عليه، كرد عكسي، إقصاء المذاهب الأخرى السلفية ذاتها في بعض المناسبات والمؤتمرات الدولية. البعض ظن بهذا أنني معادٍ للسلفية محب وموالٍ لما فعله المقصون للسلفية هناك، وهذا غير صحيح جملة وتفصيلا. النقد لا يعني العداء والكراهية لمن وقع عليه الانتقاد، ولا يعني الرضا التام عن الطرف الآخر المشار إليه.
حين يقول الخطيب على منبر الجمعة «أيها المسلمون…» ثم يقوم بنقدهم وبيان أخطائهم في العبادات أو السلوكيات، لا يعني هذا أنه ناقم على المسلمين، كاره لهم أو أنه يعلن براءته منهم، ولا يعني أن هذا الخطيب محب لغير المسلمين، لكونه لم يتعرض لهم بالنقد ولم يبين أخطاءهم.
كثيرا ما كان النقد لمن يهمك أمرهم لتصحيح مسارهم. والنقد البناء مطلب مهم، ومن خلاله يتم التصحيح وفي غيابه تتراكم الأخطاء حتى تصبح كالطود العظيم. وللتأكيد فإن الكل واقع تحت مظلة النقد كائنا من كان، عدا شخص واحد وكتاب واحد، وهو الرسول الكريم، صلوات الله عليه، وكتاب الله العظيم.
يقول الإمام مالك وهو يحدّث الناس في المسجد النبوي «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر». وقال ابن عباس ومجاهد «ليس أحد بعد النبي إلا يؤخذ من قوله ويترك». وعلى هذا النهج سار الخلفاء والأئمة، فقد نقل عن عمر بن الخطاب قوله «رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي»، ورُوي عن عمر بن عبدالعزيز «رحم الله رجلاً أهدى إليّ عيوبي».
فخلف من بعدهم خلف ترفعوا عن هذا كله ورأوا أنه لا عيب فيهم ولا نقيصة، وأنهم معصومون من الخطأ، فلا يُستدرك عليهم البتة، لأن ذلك يولّد اهتزازا لدين الله وتضعيفا للإسلام وضياعا لمقام الشريعة، هكذا سولت لهم ظنونهم، وكأن الإسلام ضعيف لا يستقيم إلا على قوتهم، ولا تقوم لدين الله قائمة إذا تعرضت شخوصهم للنقد. ولهذا وضعوا فرية افتروها تحرّم وتجرّم ذلك وتجزم أن لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار متنقصيهم معلومة، وأن من تحدث فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب!
وبالمناسبة فإن هذه العبارة الشهيرة «لحوم العلماء مسمومة» قالها الأشعري ابن عساكر ردا على خصوم أبي الحسن الأشعري الذين هم تيار أهل الحديث وما يسمى اليوم بالسلفية. ورغم أن العبارة أطلقت في زمن اتسم بالتعصب المذهبي إلا أنها ظلت دارجة يَسلّون بها سيوف التهديد والوعيد باسم الله تعالى ضد خصومهم لتوبيخهم، وإقفال باب النقاش وإلغاء الحق المشروع في نقد الأفعال والسمات دون الذوات.
إن ملوك هذه الدولة، يطلبون من الجميع النصح، ويعتبرون ذكر عيوبهم هدية تهدى إليهم. قال الراحل الملك عبدالله «.. لا تبخلوا علي بالنصح والدعاء». وقال الملك سلمان في كلمته بحضور الكتّاب والإعلاميين والمثقفين «.. رحم الله من أهدى إليّ عيوبي..».
ما يؤسف له أن بعض أصحاب الخطاب الراديكالي يرون شخوصهم فوق النصح والنقد والتوجيه، فهم يرون أنفسهم -ويراهم أتباعهم أيضا- مبجلين مقدسين، كلهم مجتهدون أو أتباع مجتهدين، خطؤهم يثابون عليه مرة، وصوابهم يثابون عليه مرتين.
في المقابل، فإن غيرهم عصاة فسقة ترهقهم قترة، عوامهم مجرد رعاع أقوام، ومثقفوهم أصحاب أقلام يوحي بعضهم إلى بعض زخرف الضلالة، لا يستحقون إلا غضب الله، قد ظهر فسادهم في البر والبحر، ووقف قطر السماء بسبب ذنوبهم.
إن من أسوأ أدواء النفوس داء العجب بكثرة العبادة، وازدراء الآخرين الذي قد يحبط العمل، لذا فإن «انكسار مذنب خير من زهو عابد».

نقلا عن الوطن