عبدالحميد العمري

ماذا بعد أن أصبحت الأراضي تأكل وتشرب؟

توقد المشهد العقاري محليا أكثر مما مضى بعد أن أصبحت الرسوم على الأراضي البيضاء محل التنفيذ، وبات وصول فواتير الرسوم المحتسبة على ملاكها خلال الربع الأول من عام 2017 أمرا حتميا، مشهد طال انتظاره عدة أعوام مضت من قبل مئات الآلاف من الباحثين عن تملك مساكنهم، على أنه يجدر التذكير؛ أن دائرة تطبيق الرسوم على الأراضي سيتسع نفوذها أكثر في المستقبل القريب، لتشمل في مراحلها المقبلة مدنا أكثر من الرياض وجدة والدمام، وتشمل مساحات أوسع بعد إضافة الأراضي المطورة إلى جانب الأراضي غير المطورة، وبعد إضافة مساحات الأراضي من 5.0 آلاف متر مربع فأكثر، إلى جانب الأراضي ذات مساحات الـ 10.0 آلاف متر مربع فأكثر.

المقصد بكل اختصار من كل ما تقدم؛ يعني مزيدا من تشديد الخناق على الاحتكار والاكتناز، وهو الهدف الرئيس من إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي سيترتب عليه تدافع ملاك تلك الأراضي بمساحاتها الشاسعة نحو إما تطويرها وبناء منتجات سكنية عليها، وضخها في جانب عرض بيع الوحدات السكنية، التي تقف في الوقت الراهن على فائض معروض يناهز الـ 1.5 مليون وحدة سكنية شاغرة! وإما أن يندفع ملاك تلك الأراضي نحو ضخها في جانب عرض بيع الأراضي، التي تقف هي بدورها الآن على فائض معروض هائل جدا، يتجاوز بحد أدنى خمسة أضعاف المعروض للبيع من الوحدات السكنية الشاغرة!

أصبح معتادا لدى عموم أفراد المجتمع في المدن والمحافظات على حد سواء، مشاهدة عشرات الآلاف من لوحات إعلانات بيع الأراضي والمساكن على حواف الشوارع والطرق، وعبر الصحف والمواقع الإلكترونية، عدا الكم الهائل من الرسائل على جوالات الأفراد. إنه الواقع العقاري الملموس منذ أكثر من عامين، وظل يتنامى حتى تاريخ اليوم، الذي لم يعد في إمكان أي من تجار الأراضي أو العقار أو السماسرة إنكاره، يمكن اختصار وصفه بأن السوق العقارية المحلية تقف اليوم على عروض هائلة جدا للبيع، لا يقابلها أي طلب حقيقي بأسعار البيع نفسها، نظير ضعف القوة الشرائية لدى أفراد المجتمع مقابل تضخم الأسعار الكبير للأصول العقارية، إضافة إلى التقلص الكبير في القدرة الائتمانية للأفراد، نظير تحملهم أعباء قروض استهلاكية وعقارية سابقة “فاقت 453.3 مليار ريال حتى أيلول (سبتمبر) الماضي”، عدا الانكماش الذي طرأ أخيرا على رواتب موظفي القطاع الحكومي.

وأن ما شهدته وتشهده السوق العقارية من تنفيذ محدود لعمليات البيع والشراء خلال الفترة الراهنة “أدنى بنسبة 49.5 في المائة من ذروتها في 2014″، لم يكن ليتحقق إلا مقابل انخفاض الأسعار السوقية المتضخمة للأراضي والعقارات، الذي أثبتته المؤشرات العقارية الرسمية الصادرة عن وزارة العدل، التي أظهرت اتجاهاتها السعرية متوسطة الأجل لمختلف الأصول السكنية، انخفاضا في متوسطات الأسعار السنوية لعام 2016 مقارنة بذرواتها السعرية خلال الفترة 2013 – 2015، جاء على النحو التالي: انخفاض متوسط سعر المتر المربع للأراضي السكنية بنسبة 40 في المائة، انخفاض متوسط سعر العمائر السكنية بنسبة 30 في المائة، انخفاض متوسط سعر الفلل السكنية بنسبة 17 في المائة، انخفاض متوسط سعر الشقق السكنية بنسبة 8 في المائة. ورغم بعض الجاذبية على تلك الانخفاضات السعرية، إلا أنها لا تقارن بأي حال من الأحوال بنسب الارتفاع المفرطة التي حققتها خلال الفترة 2006 – 2015، وهو ما يعكسه واقع الركود المخيم حتى تاريخه على السوق العقارية المحلية.

لقد أوصدت جميع القنوات المؤدية لارتفاع أسعار الأراضي والعقارات إلى أعلى مما وصلت إليه، إما لأسباب اقتصادية ومالية بحتة نتيجة انخفاض أسعار النفط والإنفاق الحكومي والسيولة المحلية، وإما لأسباب هيكلية نتج أغلبها عن إقرار الدولة نظام الرسوم على الأراضي لمحاربة احتكار واكتناز الأراضي “السبب الرئيس لأزمة الإسكان”، أو لأسباب اجتماعية تلخصت في انعدام قدرة الأفراد لا من حيث الدخل ولا من حيث الاقتراض، على الشراء بتلك المستويات السعرية المتضخمة للأراضي والعقارات. بل لقد أظهرت بيانات صفقات السوق العقارية، الصادرة رسميا عن وزارة العدل الضعف الكبير الذي طرأ على تعاملات المضاربة في السوق، التي كانت تراهن القوى الفاعلة فيها بالشراء بناء على التوقع المضمون بالقدرة على البيع لاحقا بأسعار أعلى، وهو ما أفقدها خلال العام الجاري أكثر من 238 مليار ريال، التي لو ظلت تمارس عمليات المضاربة المعتادة سابقا، لكان إجمالي قيمة صفقات السوق العقارية تجاوز حتى تاريخه 488.1 مليار ريال، ولهذا لم تتجاوز قيمة الصفقات العقارية للعام الجاري سقف 249.9 مليار ريال فقط.

ماذا بعد كل ما تقدم من تطورات طرأت على مجريات وواقع السوق العقارية؟ وماذا سيطرأ من جديد عليها بعد أن أصبح نظام الرسوم على الأراضي البيضاء محل التنفيذ، والتحصيل الفعلي لها؟ وهي الأسئلة التي تعني إجابتها بالدرجة الأولى أفراد المجتمع الباحثين عن تملك مساكنهم أكثر من غيرهم من الأطراف!

خلاصة الإجابة؛ شهد الجميع طوال أكثر من عام مضى، كيف انعكست المتغيرات الاقتصادية والمالية والهيكلية سلبا على الأسعار المتضخمة، وكيف أنها تنازلت عن وتيرة الصعود غير المبرر، والآن مع استدامة تلك المتغيرات، ودخول نظام الرسوم على الأراضي مرحلة التطبيق الفعلي، متجاوزا مرحلة الترقب السابقة، أصبح الجميع حتما أمام مرحلة أقوى وأكثر حسما، خاصة بعد القضاء فعليا على المقولة العقارية التي سادت عقودا من الزمن (الأراضي لا تأكل ولا تشرب)، لتتحول إلى أصل مكلف جدا على ملاكها إذا لم يتم تطويرها وإحياؤها، سيدفعهم بالجملة إلى التدافع نحو تطويرها أو بيعها، والضغط بصورة أكبر على الأسعار السوقية المتضخمة، الذي سيدفع بدوره حتى بقية ملاك الأراضي والعقارات الذين لا تشملهم الرسوم على الأراضي لانتهاج السلوك نفسه (التطوير أو البيع)، هربا من انخفاض أسعارها السوقية التي وصلت إليها، ومحاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه قدر الإمكان!

السوق العقارية ستكون في مواجهة اندفاع أكبر مما شهدته طوال العامين الماضيين، سواء نحو التطوير أو نحو البيع والقبول مرغمة تنافسيا بالأسعار الأدنى سوقيا، سيقابلها قوى طلب ضعيفة جدا، سواء من حيث مستوى الدخل، أو من حيث القدرة الائتمانية. ستجد السوق العقارية متنفسا أكبر للخروج من ركودها الراهن، مع كل مستوى جديد متدني الأسعار، بمعنى أن قوى العرض كلما خفضت في مستويات الأسعار (كشرط للمنافسة السوقية، عكس ما كان عليه سابقا مجرد “خيار” قابل للرفض أكثر من القبول)، اجتذبت قوى طلب جديدة! وهو ما يجب أن تستقر فكرته في ذهن كل باحث عن تملك أرض أو مسكن، أن الأمور تسير اليوم في مصلحته على العكس تماما من السابق، وأن عليه توظيف هذه المعطيات عن ثقة تامة في مصلحة قدرته التفاوضية حال الشراء، وهو الأمر ذو التفاصيل الدقيقة جدا، التي سيتم الحديث عنها في المقال القادم بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الإقتصادية”