عبدالحميد العمري

ما الأجدى للتوظيف .. توليد الوظائف أم الإحلال؟

لا شك أن توليد مزيد من الوظائف الجديدة في القطاع الخاص، يعد مؤشرا صحيا على قوة نمو القطاع والاقتصاد الوطني، إلا أنه قد يكون بعيد المنال خلال المرحلة الراهنة، التي يواجه خلالها القطاع والاقتصاد، التحديات الجسيمة لانعكاسات الإصلاحات الاقتصادية الجارية، وما ترتب عليها من تباطؤ معدلات النمو، اضطرت منشآت القطاع الخاص إلى تقليص وظائفه، وصل حجم انخفاض الوظائف في القطاع خلال الربع الأول من العام الجاري إلى نحو 458 ألف وظيفة، وفقا لنشرة سوق العمل الأخيرة “الهيئة العامة للإحصاء”. ليأتي الحل البديل المناسب خلال المرحلة الراهنة، ممثلا في إحلال الوظائف المشغولة بالعمالة الوافدة بعمالة وطنية، التي تصل أعدادها إلى نحو 8.5 مليون وظيفة، والتأكيد على صلاحية نحو 3.5 مليون وظيفة من إجمالي العدد الهائل للوظائف، لإحلالها بعمالة وطنية، قياسا على مستوياتها العلمية اللازمة “الشهادة الثانوية فأعلى”، ومستويات أجورها الشهرية الملائمة، التي تبدأ من 3000 ريال شهريا وصولا إلى 15.6 ألف ريال شهريا. كما أن تلك الوظائف المتاحة والمناسب إحلالها “3.5 مليون وظيفة”، التي لا تتجاوز نسبتها 42.0 في المائة من إجمالي العمالة الوافدة في القطاع الخاص، كافية لامتصاص الأعداد الكاملة للباحثين عن العمل من المواطنين والمواطنات “918 ألف باحث وباحثة”، ما يعني أنها تغطي هذا العدد بنحو أربع مرات! سيتطلب تفعيل هذا الإحلال بالصورة المأمولة، وتنشيطه بالصورة التي تخدم الأطراف كافة، التوسع بصورة جدية في برامج إعادة التأهيل والتدريب على رأس العمل، الذي يتطلب بدوره تخصيص موارد مالية كافية، يمكن تمويلها بالكامل من الموارد المالية المتوافرة لدى صندوق الموارد البشرية، دون الحاجة إلى تحمّل الميزانية الحكومية تكلفة تمويل تلك البرامج التأهيلية والتدريبية. كما يقتضي تفعيل إحلال العمالة الوطنية، عديدا من المتطلبات الأخرى التي لها أهميتها القصوى، التي سيسهم تحققها في إنجاح الإحلال بالدرجة اللازمة والكافية، تأتي في مقدمتها المتطلبات التالية: أولا: ضرورة وضع برامج خاصة لتوطين “الوظائف القيادية والتنفيذية العليا” في منشآت القطاع الخاص، التي شهدت طوال فترة تطبيق برامج التوطين الأخيرة تغيرا لافتا جدا “2011 – 2016″، زادت خلاله سيطرة العمالة الوافدة على تلك المناصب القيادية والتنفيذية من 10.4 في المائة بنهاية 2010، إلى أن وصلت بنهاية عام 2016 إلى أعلى من 40.5 في المائة، وتكمن أهمية تسليط اهتمام وتركيز وزارة العمل على هذه المناصب تحديدا؛ كونها المستويات الوظيفية التي تستحوذ على صنع القرار في منشآت القطاع الخاص، وكونها أيضا المستويات الأعلى دخلا مقارنة بغيرها من المستويات الوظيفية الأدنى تأثيرا ودخلا، ما يعني بدوره ضآلة وضعف إمكانية إنجاح أي سياسات أو برامج للتوطين، في ظل توسع تلك السيطرة للوافدين على قرارات القطاع الخاص، بل لقد تحولت تلك السيطرة المتزايدة للوافدين على المناصب التنفيذية والقيادية في القطاع إلى عامل إفشال حقيقي لأي برامج للتوطين، ودليل ذلك قائم وفق الإحصاءات الرسمية، ولا حاجة إلى بذل جهود تذكر لأجل إثبات وجوده من عدمه! قياسا على ما أظهرته الإحصاءات من تراجع معدلات التوطين خلال العامين الأخيرين، مقابل زيادة الاستقدام وتوظيف العمالة الوافدة، وإفراط غالب منشآت القطاع الخاص في الاعتماد على مواد نظام العمل الجديد “74، 75، 76، 77″، لإنهاء عقود العمالة الوطنية تحت ذريعة تقلص الإيرادات والمبيعات. ثانيا: ضرورة التوسع في برامج التوطين المخصصة حسب القطاعات “كقطاع الاتصالات”، التي سيوفر العمل فيها مرونة أكبر أمام وزارة العمل على مستوى سرعة التوطين، وسرعة القضاء على سيطرة العمالة الوافدة في تلك القطاعات القابلة للتوطين بالكامل خلال فترة وجيزة. ويؤمل أن يأتي تركيز وزارة العمل في هذا الخصوص على القطاعات الأكثر جاذبية والأعلى دخلا لدى العمالة الوطنية، وأغلبها يتركز في نشاط الخدمات “تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية”، حيث لم يتجاوز معدل التوطين في هذا النشاط بنهاية عام 2016 نسبة 22.9 في المائة فقط “876.8 ألف عامل سعودي”، مقابل توظيف أكثر من 2.94 مليون عامل وافد في هذا النشاط، ما يؤكد هنا أن وضع برامج مخصصة للتوطين، تتسم بسرعة أكبر مقارنة ببقية برامج التوطين، كفيل الوصول بها إلى 50 في المائة أن تمتص كامل الباحثين عن فرص عمل من المواطنين والمواطنات، أخذا في الاعتبار أن تقترن ببرامج مكثفة للتدريب والتأهيل، التي يمكن تمويلها من متحصلات تلك الرسوم على العمالة الوافدة. ثالثا: تأسيس منظومة متكاملة إلكترونية متطورة، للتواصل المستمر بين كل من وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ومديري الموارد البشرية والتوظيف “سعودي الجنسية” في منشآت القطاع الخاص، والبدء في المرحلة الأولى بالمنشآت العملاقة والكبيرة والمتوسطة، ولاحقا يمكن إضافة مديري الموارد البشرية في المنشآت الصغيرة والأصغر، على أن الحاجة في الوقت الراهن قد لا تستدعي إضافة المنشآت الأقل من المتوسطة إلى منظومة التواصل، ذلك أن نجاحها سيكون كافيا جدا لتحقيق الغرض من إيجادها. تقوم أبرز أهداف تأسيس هذه المنظومة للتواصل مع مديري الموارد البشرية والتوظيف، على ما يلي من مهام ومسؤوليات: (1) منح مدير الموارد البشرية السعودي، مزيدا من القوة والاستقلالية في مجال عمله، من خلال تفعيل قوة تواصله مع الجهة الحكومية المسؤولة تنفيذا عن التوطين “وزارة العمل”، وبما يحد من السيطرة عليه من قبل من هم أعلى منه منصبا من المديرين والتنفيذيين الوافدين. (2) إضافة هذه المنظومة المتطورة للتواصل المباشر والسريع جدا بين الجهة الرقابية والمنشآت، مزيدا من الفعالية والرقابة والمتابعة اللصيقة لعمل وزارة العمل، للتعرف فورا على أي معوقات قد تواجه جهود التوطين. (3) الاستفادة القصوى من الرؤى والاقتراحات والملاحظات، التي ستصدر عن مديري الموارد البشرية السعوديين، وتكمن أهميتها في كونها آتية ممن هم على مماسٍ قريب جدا من جهود التوطين، والتحديات الفعلية التي يواجهها كل منهم، حسب حجم ونوع نشاط المنشأة التي يعمل فيها. الذي سيوفّر لوزارة العمل تدفقا ومخزونا هائلا من المعلومات والتطورات، حول ما يجري فعليا داخل أروقة القطاع الخاص، وهو ما سيخدمها كثيرا في مواجهة أدائها مسؤولياتها ووظائفها على مستوى التوطين، والحد من البطالة بين المواطنين والمواطنات .. والله ولي التوفيق.

نقلًا عن الاقتصادية