المشكلة القاعدة وليست داعش

لدي قناعة أن حركة داعش ستنتهي بهزيمة ما يسمى دولة الخلافة، ربما يبقى منها أفراد هنا أو هناك، لكنهم في النهاية لن يلبثوا إلا وينتهون مع مرور الزمن؛ فهذه الحركة هي مجرد تنظيم حركي تفرع عن (القاعدة)، وجذب إليه المتطرفين الجهاديين، بسبب انتصاراته الفعلية على الأرض، وقدرته على تكوين دولة لها جغرافياً ومداخيل اقتصادية وتملك جيشاً ومعدات متقدمة؛ غير أنها لا تحمل فكراً نظرياً، وطرحاً متميزاً، يضمن لها البقاء كفكرة، تتوارثها الأجيال، كما هو الأمر بالنسبة لتنظيم القاعدة أو تنظيم السروريين أو تنظيم جماعة الأخوان المسلمين مثلاً وليس حصراً؛ فقد بحثتُ جاهداً عن مؤلف يُفسر طرحها الأيديولوجي، وأين تتفق وأين تختلف مع بقية الحركات السياسية المتأسلمة، فلم أجد إلا كتاباً واحداً هو (إدارة التوحش) الشهير فقط. وهذا الكتاب لا يحمل طرحاً فكرياً جديداً بقدر ما يُقدم منهجاً ثورياً متوحشاً، لا يمكن أن يقتنع به إلا العوام المتحمسين من المتأسلمين، أو أولئك الصبية الصغار، ممن يعانون من عاهات نفسية دفينة، جاءت انتصارات داعش السريعة، وقدرتها على تكوين دولة خلافة كما تدعي، ففجر هذا الواقع الملموس هذه العاهات النفسية الدفينة في نفوس شباب المتأسلمين، فالتحقوا بالدواعش؛ أما تنظيم القاعدة، فهو فلسفة تحمل نظرية الخوارج الأوائل وطرحهم، قام فقهاء وحركيون على قدر كبير من الثقافة الدينية بتطويرها، ومقاربتها مع الواقع؛ كما أنها تحمل في مضامينها استدلالات وتأصيلات من التراث الموروث، ابتدأت أول ما ابتدأت انطلاقاً من (الحرس الخاص) الذي أنشأته جماعة الإخوان كذراع عسكري لها في منتصف القرن الميلادى الماضي، ثم طورها وجذرها وحدثها سيد قطب، وساعده مساعدة جوهرية أخوه محمد قطب، ثم استلم مهمة تجذيرها ونشرها في المملكة أولاً السوري محمد سرور، الذي تنسب إليه حركة السروريين؛ وهذا التنظيم هو في الجوهر حركة أخوانية، إلا أنها تميزت عنها بكونها تشددت في تبني الخطاب السلفي الموروث في العقيدة، واعتبرته منطلقاً مبدئياً لا يمكن التنازل عنه أو المساومة عليه، في حين أن حركة الأخوان المسلمين التقليدية تعتبر المسائل العقدية ليست من أولوياتها، فالأولوية لدى الإخواني، بنائيا كان أم قطبياً، لَمْ شمل (كل) المسلمين سياسياً بجميع طوائفهم وفرقهم ومذاهبهم تحت فكرة حركية واحدة، بغض النظر عن التباينات العقدية أو الفقهية. ولأن السلفية قديمة ومتجذة في الأقطار الإسلامية، وجد محمد سرور لدعوته أتباعاً كثر من السلفيين، واستطاعت بسهولة أن تتغلغل بين أوساطهم أكثر من تغلغل جماعة الأخوان.
والسرورية هي الفكرة الأساس التي بنت عليها منظمة (القاعدة) طرحها الثقافي، ولهم مؤلفات ومناشير وخطب مسجلة، لذلك يمكن القول إن القاعدة منتجٌ سلفي مسيس، كان بمثابة (اللبنة) الأولى التي أنتجت الفكر العنيف المعاصر، الذي تعارف الباحثون المتخصصون على تسميته الفكر الجهادي، أما حركة داعش فليس لها تراث نظري مكتوب، وتفتقد إلى الفقهاء المنظرين، وكذلك الدعاة المؤثرين، ويُجرمها كثير من السروريين أنفسهم، فضلاً عن جماعة الإخوان؛ ويصرون على أن حركاتهم بريئة منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
لذلك كله فإنني أعتقد أن الفكر الداعشي لن يبقى طويلاً، فهناك من المبررات المنطقية ما هو كفيل بمحاصرتها كفكرة وممارسة وإنهائها؛ أما القاعدة، وكذلك التيار السروري، فهو الذي سيبقى، قد يندثر أيضاً، لكنه سيعود للظهور ثانية متى ما توفرت أسباب ظهوره الموضوعية.
نقلا عن الجزيرة