مشعل السديري

يا ليتني كنت «ثعباناً»

وصلني كتاب عن الشيخ علي الطنطاوي عندما كان قاضياً، في أوائل الأربعينات الميلادية في سوريا، وكتب «العجب العجاب» عن ذلك العالم المعقد وكل ما فيه من موظفين.
وكلما قرأت عدة أسطر توقفت عن القراءة، ورفعت رأسي وأغمضت عيني، وتيقنت أن الزمان قد توقف، وأن الحال ما زالت كما هي لم تبرح مكانها.
ولقد عانى (رحمه الله) من بعض الموظفين، ووجد في المحاكم نماذج سيئة، بذل جهده في تخليص القضاء منها، وإراحة الناس من شرها، وقد تقدم أكثر من ذلك في الكلام على إصلاحاته في القضاء، وكان أحياناً ينتقد بعض تصرفات القضاة، وهم «أس» الداء، ويتعرض لشيء من تقصيرهم.
ويمضي قائلاً: «إن مما أزال دولة آل عثمان وعجّل هلاكهم، أن قلّت فيها الأمانة، وكثرت الرشوة واستفحلت». ثم يتحدث عن الموظفين قائلاً: «يكون لك عند الموظف حاجة لا يحتمل قضاؤها خمس دقائق، فتجيئه وهو يشرب القهوة أو يقرأ الجريدة، أو يشغل نفسه بما لا طائل تحته، فيصعد فيك بصره ويصوبه ويقوّمك بعينه، فإن أنت لم تملأها ولم تدفعه إلى مساعدتك رغبة فيك أو رهبة منك، قال لك: ارجع غداً، فترجع غداً فيرجئك إلى ما بعد غد. لا أعني موظفاً بعينه ولا عهداً بذاته، بل أصف داء قديماً سرى فينا واستشرى ودخل وتغلغل» انتهى.
ولو أن الشيخ كان أمامي الآن لقلت له: على رسلك يا رعاك الله، لا تكمل أيها الشيخ الجليل، فما زال ذلك الداء الذي ذكرته مستوطناً في معظم محاكم العالم الثالث، ولكي أزيدك من الشعر بيتاً:
فأطول دعوى في التاريخ انتهت ببلدة بونا في الهند، بالشهر الرابع من 1966، عندما ربح «بلاساهب تورات» الدعوى المقامة من قبل سلفه «راجي تورات» قبل سبعمائة وإحدى وستين سنة، كان موضوع النزاع حقوق الرئاسة والأولوية أثناء الاحتفالات الدينية. انتهى.
أكثر ما أعجبني هو مزارع هندي، عندما أطلق عشرات الأفاعي داخل مكتب حكومي بعد أن طالبوه بدفع «رشوة» بشأن أرض يستخدمها لتربية الأفاعي، لبيع سمها على الجهات الطبية.
وقال المزارع «حاكوم» بأنه اضطر إلى القيام بذلك؛ لأن مكتب مفتش الإيرادات في منطقة مارايان شمال الهند، حيث يقطن، طالبه بدفع رشوة، ما دفعه إلى إفلات 20 أفعى داخل المحكمة.
وفور خروج الأفاعي من الكيس الذي كان بحوزة «حاكوم»، عمت الفوضى والذعر داخل المحكمة التي كانت مكتظة بالناس، بينما أخذت الأفاعي تتسلل وتزحف على الأثاث والمكاتب والأرض، وأول من هربوا وأطلقوا سيقانهم للريح هم القضاة، وتبعهم الموظفون والمراجعون.
يا ليتني كنت وقتها ثعباناً من ثعابينه، لكنت والله أول ما أتوجه، أتوجه نحو كرسي أكبر القضاة.

نقلا عن الشرق الأوسط