عبدالحميد العمري

معادلة الميزانية: رفع كفاءة الإنفاق ودعم النمو الاقتصادي

نجحت السياسة المالية السعودية في التعامل مع الظروف الاقتصادية غير المواتية التي عبرها الاقتصاد الوطني خلال 2016، معتمدة على عدد من الركائز، لعل من أهمها: القيام برفع كفاءة الإنفاق التشغيلي والرأسمالي من جانب، مكنتها من خفض النفقات الفعلية الحكومية خلال العام إلى 825 مليار ريال، محققة وفرا بلغ 15 مليار ريال عما كان مقدرا إنفاقه في الموازنة التقديرية للعام المالي الماضي.

من جانب آخر تعزيز جانب الإيرادات غير النفطية، التي أدى عدد من الإجراءات الحكومية إلى ارتفاعها بأكثر من الضعف خلال عام 2016، لتستقر عند 199 مليار ريال بنهاية العام المالي، وتستهدف رفعها إلى 212 مليار ريال بنهاية العام المالي المقبل 2017، وهي الزيادة المحدودة التي تعكس تدابير مالية أكثر حذرا من إضافة مزيد من الضغوط إلى القطاع الخاص.

استهدفت السياسة المالية في ظل تلك التحديات الاقتصادية الراهنة في الدرجة الأولى، المحافظة على كل من النمو والاستقرار الاقتصاديين، اللذين مكنا الاقتصاد الوطني من تحقيقه معدل نمو حقيقي بلغ 1.4 في المائة خلال 2016 “النمو الحقيقي للقطاع الخاص 0.11 في المائة”، خاصة أن الإنفاق الحكومي لا يزال رغم الخطوات المتقدمة التي تحققت أخيرا، يمثل الممول الأهم والأكبر للاقتصاد الوطني، وتحديدا القطاع الخاص الذي يُعول على زيادة تمكينه خلال الأعوام المقبلة، ليتولى بدوره زمام المبادرة في قيادة الاقتصاد الوطني، وهو ما دفع بالمالية العامة السعودية إلى تخصيص 200 مليار ريال لأجل دعم القطاع الخاص خلال الفترة 2017 ـــ 2020، تستهدف امتصاص الصدمات المحتملة للسياسات الاقتصادية المختلفة خلال الفترة، من أهمها إجراءات الرفع المتدرج للدعم الحكومي على استهلاك الطاقة.

سياسات وإجراءات تستهدف بالدرجة الأولى التصدي لآثار عقود طويلة من الاعتماد على النفط، وظل يزداد عقدا بعد عقد. وجدت السياسات الاقتصادية نفسها أمام تزايد حجم الاقتصاد وتحدياته التي يواجهها، وتعاظم المتطلبات الإنمائية للمجتمع، أصبحت أقل شأنا من أن تنجح حتى في مجاراة أدنى التحديات أو المتطلبات، بل تحول بعضها إلى عقبة كأداء في طريق استثمار الفرص والمبادرات الواعدة لدى الشرائح الشابة في المجتمع. نعم؛ تمكنت العوائد المرتفعة للنفط من “ترقيع” تشققات عديدة، لكن سرعان ما انكشفت حقيقتها على الرغم من ارتفاع أسعاره، لعل من أبرز تشققاته: البطالة، أزمة الإسكان، التباين الكبير في الدخل بين الأفراد، وأمام مثل هذه الحقائق الراسخة، لك أن تتخيل ما ستكون عليه الحال تحت ضغوط انخفاض أسعار النفط كما شهدناه جميعا في أعوام مضت، وكما نشهده اليوم؟

كانت أسعار النفط ترتفع “الإيرادات النفطية”، فترتفع الإيرادات إجمالا في أجواء احتفالية، سرعان ما ارتفعت على أثرها بنود الإنفاق الجاري والرأسمالي على حد سواء، إلا أن الإنفاق الرأسمالي الذي تجاوز سقف 2.2 تريليون ريال خلال العقد الماضي، وعدم حيازته الكفاءة اللازمة الدافعة لإنجاز مشاريعه “28.2 ألف مشروع حكومي” على الوجه المطلوب وفي الوقت المحدد، أسقطه في تعثر وتأخيرات وخيمة، نتيجة ضعف الرقابة والمتابعة والمحاسبة، تبين وفقا لبيان الميزانية الأخير تجاوز قيمة التعثر فيها سقف 1.0 تريليون ريال، عدا أنه تسبب في اتساع “الفجوة التنموية: تلبية احتياجات المجتمع المتنامية مقابل المقررات المالية لتنفيذ مشاريعها”، أفضى لاحقا نتيجة استدامة عديد من التشوهات في مختلف أنحاء الاقتصاد الوطني “ضيق فرص الاستثمار، الاحتكار، الفساد الإداري والمالي، سيطرة العمالة الوافدة على النشاطات والأسواق المحلية تحت مظلة التستر التجاري، وضعف الرقابة والمساءلة”، إلى أن يتحول ذلك الإنفاق إلى واحد من أكبر مغذيات تلك التشوهات الاقتصادية لدينا، وتسبب في تفاقم تحديات البطالة وزيادة الاستقدام والزيادة المفرطة في تباين مستويات الدخل بين الطبقة المقتدرة ماليا وبقية الطبقات، إضافة إلى زيادة تعقيدات حلول كثير من الجوانب التنموية الأخرى كأزمة الإسكان، ومحدودية الدخل، وزيادة حجم المديونيات على أغلب الأفراد العاملين، وارتفاع معدلات التضخم بجميع أشكاله على كاهل المجتمع “تكلفة المعيشة”، وعلى كاهل منشآت القطاع الخاص “تكلفة الإنتاج والتشغيل”.

أصبح الجميع باستثناء شريحة ضيقة تضاعفت ثرواتها في موقف لا يُحسد عليه، وكان من الضرورة القصوى العمل فورا وسريعا على إيقاف هذا الانجراف في اتجاه بالغ الخطورة على مقدرات البلاد والعباد! وأن عليه خوض طريق آخر مهما بلغت مشقته في الأجلين القصير والمتوسط، كانت باكورته “رؤية 2030″، أخذا في الاعتبار ما تجري عليه النقاشات الجادة والساخنة الآن، ومحاولات تقريب نقاط الاختلاف الراهنة حول الأدوات والسبل الهادفة إلى إنجاح عملية تبادل الأدوار بين كل من الاقتصاد الوطني والميزانية الحكومية، وتحديدا حول بند “الإيرادات غير النفطية”، وهو ما سبق طرحه من قبلي في المقالات الأخيرة هنا في صحيفة “الاقتصادية”.

إلا أنه للوصول إلى كل تلك الغايات والطموحات المشروعة؛ فلا شك أن اقتصادنا بحاجة أكبر إلى إرساء النزاهة والتنافسية ومحاربة كل من الفساد والاحتكار بكافة أشكالهما، وتوفير الدعم للشرائح الفتية من السكان، وتحفيز الثروات والموارد التي أنعم الله بها على بلادنا للاستثمار والإنتاج والتشغيل، عوضا عن تكديسها في مجرد أراض بيضاء كمخزنات قيمة، وعوضا عن مجرد تدويرها في مضاربات بحتة، لا أثر لكل منهما سوى إلحاق أشد الأضرار بالتنمية والاقتصاد والمجتمع على حد سواء، في الوقت الذي تتسبب فيه من حرمان اقتصادنا ومجتمعنا من عوائد قيمها المضافة، وحجب آثارها الإيجابية عن التحقق على المستويات التنموية كافة. لعل من أهم تلك الآثار التي غيبتها أشكال الاحتكار والمضاربات، وخلفهما تفشي أشكال الفساد والتستر، حرمان الاقتصاد من حسن استغلال الفرص الاستثمارية الواعدة والتنافسية، والتسبب في إضعاف قدرته على إيجاد فرص العمل الكريمة والملائمة للشباب والفتيات، والتسبب أيضا في إبقاء الاقتصاد الوطني رهينا للاعتماد المفرط على النفط، بمعنى إبقائه اقتصادا ريعيا أكثر وحرمانه من التطور والتحول إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على قاعدة إنتاجية متنوعة ذات كفاءة أفضل، الذي يعني أيضا استمرار حياة التشوهات التنموية الناتجة عن وجود مثل هذا الشكل من أشكال الاقتصاد الريعي؛ كالتباين الكبير في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع وشرائحه، وضعف إيجاد الوظائف وفرص العمل، إضافة إلى منع الاقتصاد والمجتمع بدرجة أكبر من الاستقلالية والتنوع والنمو المستدام والشامل. والله ولي التوفيق.

نقلا عن “الاقتصادية”