مهنا اللحياني

ثقافة التقاضي لا ثقافة الشتائم

ثقافة التقاضي لا ثقافة الشتائم

بسم الله الرحمن الرحيم
ثقافة التقاضي لا ثقافة الشتائم
هذا إذا خيرنا بين الثقافتين فثقافة اللجوء للقضاء ثقافة مشروعة وواجبة أحيانا وحق الإنسان في التقاضي كفلته جميع الأديان السماوية وكفلته الأعراف القبلية والعشائرية سابقا ثم جاءت به الشريعة الإسلامية السمحة فنحن كمسلمين لا نقابل الإساءة بالإساءة والسب بالسب والشتم بالشتم وليس من أخلاق المسلم السب والشتم واللعن (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) ثم إذا تمادى المسئ في إساءته وكان لابد من الرد على المسيء فيكون بالطرق المتحضرة والإلتزام بالشريعة والقانون والنظام فكلها ضمنت تحصيل الحقوق وردع المسئ والمتعدي والأخذ على يد الظالم ونصرة المظلوم فبدل أن تنزل لمستوى الجاهل الذي تعدى عليك فتجاريه في جهله وأسلوبه المنحط فإن شرع الله كفل لك حق التقاضي ومعاقبة من أساء لك وفي ذلك غاية العدل والإنصاف والتحضر ولا يضيق ويزعل من حق التقاضي إلا جاهل والجاهل عدو نفسه ومن أمن العقوبة أساء الأدب .

ولو تأملتم معي لما دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم ، يعني(الموت) قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة ، فقال النبي عليه السلام: «مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله» ، قالت: فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقد قلت: عليكم»

وفي الحديث (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) صحيح وفي الحديث ايضا:(لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك) ثم إن الإنسان الذي يتعرض للشتائم والسب إما أن يكون عنده:
كرامة وعزة نفس فهذا مخير بين ثلاثة أمور
إما أن يعفو بإرادته وبطيب خاطر
أو أن يأخذ حقه بالشرع والقانون وحسب النظام
أو يأخذ حقه يوم الحساب في الآخرة
وإما أن يكون بلا كرامة ومتعودا على الشتم والإهانة المتبادلة فهذا يصدق فيه قول: من يهن يسهل الهوان عليه…. ما لجرح بميت إيلام
ثقافة اللجوء للقضاء بصفة عامة تحتاج إلى تصحيح وبيان وقبول فمثلا لو طالب أحد الورثة بتحصيل إرثه و تقسيم التركة لقامت الدنيا ولم تقعد عند الورثة وغضبوا منه وقاطعوه بمجرد أنه طالب بحقه أليس هذا من الجهل؟؟
أحكام الشريعة الإسلامية كلها مبنية على جلب المصالح ، ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، وهي عدل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه.
فكل حادثة أو مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الإسلام.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
وقال تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
ولذلك شرع الله لكل جريمة عقوبة فلا ظلم ولا جور فيعاقب كل مجرم، سواء كان حاكماً أو محكوماً، غنياً أو فقيراً، شريفاً أو وضيعاً، رجلاً أو امرأة. العقوبة مشروعة من الله ورسوله بحد أو تعزير. وهذا ما دفع دولتنا أعزها الله إلى تطبيق نظام مكافحة جرائم المعلوماتية التي تصل عقوباتها الى السجن وفرض الغرامات أو بهما معا حسب نوع الجريمة
من واقع تجربة وطبيعة دراستي في مجال المحاماة فإن قضايا السب والشتم لم تكن تمر على المحاكم الا نادرا وفي الوقت الحالي أصبحت الجرائم المعلوماتية في المحاكم بالالاف بسبب بعض من يربي شبابنا على الشتائم فأصبح بعض من لهم قناة على اليوتيوب او لهم مشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي يتنافسون في كيل السباب والشتائم لخصومهم وأعدائهم وبمجرد أن يختلف مع أصدقائه أو إخوانه يكيل الشتائم ويفجر في الخصومة وللأسف تجد من يشجعه ويتابعه ويتأثر ويقتدي بأسلوبه
ياجماعة الخير ترى إذا ما أخذ الانسان حقه في القضاء فربما يأخذ حقه بيده فتحصل مفسدة أعظم أو يتعدى في الشتم ويتطاول على من سبه وينافسه في السباب والشتائم فينتشر هذا الخلق الذميم فتصبح ظاهرة إجتماعية للأسف
ثم إن حكومتنا ضمنت حق التقاضي لكل إنسان تعرض للظلم أو التعدي بل إن لها أيادي بيضاء على الدول العربية عندما دعت على سبيل المثال عام 1983م إلى إتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي والتي وقعت عليها جميع الدول العربية ما عدا جمهورية مصر وجزر القمر للأسف الشديد ثم دخلت الإتفاقية حيز التنفيذ عام 1985م والتي من ضمن موادها المادة الثالثة (3) ضمانة حق التقاضي.
أصبح بعض شباب اليوتيوبر خطر على مجتمعاتنا الإسلامية والعربية بتصديرهم لثقافة الشتائم وتعليم متابعينهم ثقافة السب والشتم والتطاول على كل من خالفهم حتى ولو كان أقرب قريب ناهيك عن الكذب والتدليس والفجور في الخصومة .