محمد آل الشيخ

ومرة أخرى البقاء لنا والفناء لكم

ومرة أخرى البقاء لنا والفناء لكم

منذ أن التقى المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله بالرئيس الأمريكي روزفلت والعلاقات السعودية الأمريكية ثابتة واستراتيجية، خلال عهود كل الرؤساء من جمهوريين وديمقراطيين، صحيح أن هناك بعض الخلافات، وأحياناً التوترات، لكنها تظل استراتيجياً ثابتة لا تتغير. هذا ما لا يدركه مناوئو وأعداء المملكة، ففي كل مرة كانوا يراهنون على تضعضع هذه العلاقة إلا أنهم يفشلون، ويعودون من رهاناتهم بخفي حنين. الغريب أن هؤلاء لا يتعلمون من تجاربهم، ولا تجارب أسلافهم، فعندما يأتي رئيس جديد يعيدون الكرة ويختلقون الأسباب، ويفبركون التوقعات، إلا أن النتيجة اليوم كما كانت من قبل، وتذهب تحليلانهم أدراج الرياح؛ فالأمريكيون لم يصلوا إلى هذه الدولة العظمى لو كانوا غير عقلانيين، وينحّون العواطف والتفكير الرغبوي جانباً، ويبحثون عن المصالح، ونحوها يدفعون مراكبهم. والمملكة دولة مستقرة، والتنمية الاقتصادية فيها تدور حول معدلات إيحابية في الغالب، وهذا عامل لا يمكن لأي قارئ حصيف لتاريخها القريب والبعيد إلا ويلحظه بوضوح. كما أنها دولة وازنة وقوية، تتعامل مع عوامل هذه القوة برصانة وتعقل، فلا تصعد إذا كان التصعيد من شأنه أن يكون وبالاً عليها، ولا تفرط إذا وجدت التفريط قد يُضعفها ويفت من عضد مكانتها، فهي تتخذ لكل فعل ردة فعل يصب في مصلحتها، وكذلك مصالح حلفائها. قد يختلف عصر هذا الملك عن ذلك الملك، لكن الهدف والغاية واحدة لا تتغير. ومن عاد إلى تاريخنا البعيد والقريب سيجد أن المملكة واجهتها كثيرٌ من الأحداث والنوازل والمتغيرات، وناوؤها العداء كثيرون، وحالفها كثيرون، إلا أنها تبقى ثابتة على أسسها كالطود الراسخ الشامخ الذي يكاد أن يلامس السحاب.

كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تربطه بالمملكة علاقات متميزة، وعندما جاء نده الرئيس بايدن وفاز بالرئاسة، راهن المناوئون كما هي عادتهم على أن العلاقات الأمريكية السعودية ستهتز وستتحول من علاقات التحالف إلى علاقات العداء، وأن الرئيس بايدن ستكون علاقته مع المملكة مختلفة عما كانت عليه مع ترامب، واتخذوا من هذه الفرضية منطلقاً لهم بنوا عليه أحلامهم، ورسموا السياسات التي ستؤول إليها هذه العلاقات، مختلقين من الأسباب والدواعي ما تمليه عليهن أفكارهم الرغبوية، إلا أن هذه الآمال التي تمأسست عليها توقعاتهم انهارت في لحظات، عندما جرت مكالمة هي الأولى بين الملك سلمان والرئيس بايدن أكد فيها الزعيمان على أهمية العلاقات التاريخية بين الدولتين، ورغبة الطرفين على استمرارها، والعمل على تنقية ما يشوبها من اختلافات في وجهات النظر لتكريسها وتجذيرها أكثر؛ فصعقوا، وقطع نور اليقين ضبابية الشكوك، وكان هؤلاء المتربصون بالمملكة، أو هكذا كان يقول خطابهم، ينتظرون أن يبدأ الرئيس بايدن خطوات التصعيد مع المملكة كما كانوا يأملون.

المملكة ليست دويلة موز منزوية، ولا دويلة مفلسة أو تكاد، إنما هي دولة وازنة في محيطها، تعمل وفق منهج واضح، أما (المجعجعون) فلنا مع أمثال هؤلاء تجارب سالفة، حاولوا مرات عديدة زلزلة استقرارنا، وباؤوا بالفشل. بقيت المملكة وذرت الرياح مشاريعهم، بل وفنوا معها.

إلى اللقاء

نقلا عن الجزيرة