فهد الأحمري

يا عابد الحرمين سطور في جماعة التبليغ

يا عابد الحرمين سطور في جماعة التبليغ

الجماعة ترى أن أهم المهمات هي إصلاح المعاملات والمعاشرات بين الناس مهما كانت توجهاتهم الفكرية. ومن ثوابت الجماعة، عدم التعرض لقضية إزالة المنكر باليد، فالجماعة ترى أن وظيفتها هي تهيئة المجتمع للحياة الإسلامية عن طريق الدعوة فقط، وأن مسألة إزالة المنكر بالقوة من اختصاص الحاكم، وهذا جانب إيجابي يحسب لها.

ورغم أن صفة (العلم مع الذكر) هي الصفة الثالثة من الصفات الستة التي تعتمدها الجماعة كمنهج إلا أنها تتحفظ على طلب العلم وكتب العلم والأشرطة الإسلامية تحفظاً شديداً.

فلسفة الجماعة في هذا الجانب هي أن الدعوة عمل كل مسلم لحديث «بلغوا عني ولو آية» بينما العلم له أهله وخاصته، وهم قلة. وعليه، بحسب فلسفتهم، فإن الواجب أن يشتغل كل مسلم بالدعوة حتى لو لم يكن لديه من المعرفة سوى آية واحدة للحديث الآنف الذكر.

وعلى ذكر الصفات الست عند جماعة التبليغ فإنه يحسن بنا ذكر هذه الصفات المبتكرة من لدنهم والتي لم يسبقهم إليها أحد:

اليقين على الكلمة الطيبة؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله. الصلاة ذات الخشوع والخضوع. العلم مع الذكر. ( زجوا بهذه الصفة رغم أنهم لا يرون مشروعية طلب العلم بل التبليغ ولو بآية!) إكرام المسلمين ومحبتهم في الله. (صفة إيجابية ويكرمون كذلك أصحاب المذاهب المخالفة وحتى غير المسلم). تصحيح النية وإخلاصها لله. لحديث (إنما الأعمال بالنيات). الدعوة إلى الله والخروج في سبيله. (على الطريقة التبليغية وهذا هو بيت القصيد).

من دلائل تحفظ الجماعة على مسألة طلب العلم الشرعي هو أنه ليس من الشرع أن تشتغل الأمة كلها في طلب العلم لمفهوم الآية: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة 122.

وبحسب قاموس المعاني فإن الطائفة من الشيء هو الجزء اليسير منه وقيل أقلها رجلان وقيل ثلاثة وغير ذلك. وهذا ما يتوافق مع فلسفتهم في هذا الشأن. يستخلصون من هذا المعنى، أن القلة هي التي تشتغل بالعلم الذي هو من الكفايات لأن الحاجة إليه يسيرة، وعند الحاجة إليه يتم الرجوع إلى العالم بينما الدعوة عمل يومي بصفة عينية على كل مسلم يشهد الشهادتين.

ويثيرون التساؤلات التي يعدونها منطقية بقولهم؛ ألا ترى أن كل الصحابة دعاة وغزاة بينما أهل العلم منهم فئة قليلة وربما يُعدُّون فيُحصون كابن عباس وابن عمر وعائشة وعلي وزيد بن الحارثة، بعكس الدعاة منهم الذين يُعدُّون فلا يُحصون، وفق تحليلهم.

يتحدثون عن شعورهم بالألم لحال الأمة لأنها عكست الآية وأخلفت نهج الصحابة إذ ترك المسلمون الدعوة وركنوا إلى طلب العلم الذي ليس فيه سوى القعود وثني الركب للدروس وتصفح الكتب. يتضح من هذا أن الجماعة تتأسف على حال المسلمين في تركيزهم المحض على طلب العلم!

وكما أن الجماعة تشنّع على الركون في طلب العلم وترك الدعوة، فإنها أيضاً أشد تشنيعاً على العُبّاد الذين اختاروا العبادة دون الدعوة والخروج في سبيل الله، فهم بين الركوع والسجود والتلاوة والأذكار آناء الليل وأطراف النهار في مساجدهم وبيوتهم وبين أهليهم وعلى فرشهم الوثيرة بينما الدعاة يُغبّرون أقدامهم في أصقاع الأرض، ولهذا فإن الجماعة التبليغية تتغنى كثيرا بالقصيدة الشهيرة التي بعث بها المجاهد ابن المبارك للفضيل بن عياض وهو العابد الناسك الملازم للحرم الشريف.

تقول القصيدة في أبيات منها:

يا عابدَ الحرمين لو أبصرتْـَنا

لعلمتَ أنَّكَ في العبادةِ تلعبُ..

مَنْ كانَ يخضبُ خدَّه بدموعِه

فنحورنُـا بدمـائِنا تَتَخْضَبُ..

أو كان يتعبُ خيله في بـاطل

فخيـولنا يوم الصبيحة تتعبُ..