الفشل في التعاطي مع الفكر الداعشي

الفشل في التعاطي مع الفكر الداعشي

لا شك أن العمل الأمني والعسكري لملاحقة من يحملون الفكر الداعشي مهم، ولكنه ليس الحل النهائي لهذا الفكر الإقصائي الذي يتعدى قضايا الاختلاف والتنوع المذهبي بين المسلمين فقط، ولكنه يؤمن بالتكفير ومن ثم القتل على هويات الضحايا وكل من يختلف مع فكره الديني «القروسطي».

هناك فشل من المؤسسات الدينية التقليدية في العالم الإسلامي في تفكيك منظومة الفكر الداعشي، إذ لا يتعدى التعاطي مع «داعش» وفكرها سوى حالات من الغضب اللحظي بعد كل جريمة يقوم بها هذا التنظيم في أي مكان في العالم، وقد شهدنا هذا الأسبوع ثلاث جرائم ارتكبها التنظيم وتبناها في مانشستر في بريطانيا وكان أغلب الضحايا من الأطفال والمراهقين، وحادثة المنيا الإجرامية التي ذهب جراءها العشرات من الأطفال من إخوتنا الأقباط العرب في مصر، وثالث هذه الحوادث في جاكرتا.

العالم يغلي، القوات الجوية المصرية تشن هجمات متوالية على عناصر التنظيم في ليبيا وهذا حق لها، قبلها فرنسا بعد حوادث مشابهة شاركت بفعالية ضد التنظيم في مناطق بسورية، وأنا أتفق مع حق الدول في حماية شعوبها، ولكن للأسف نجد أن هذا الجهد العسكري والأمني تخف وطأته مع مرور الوقت، ونصحو بعد أشهر على حوادث أشنع يرتكبها التنظيم والذي يعتمد في أغلبها على الانتحاريين في تلك الأعمال القذرة ضد الآخر المسيحي أو الشيعي أو السني، ومن يقرأ الإحصاءات يجد الغالبية العظمى من ضحايا هذا التنظيم هم من المسلمين أنفسهم.

إننا كدول ومجتمعات نعيش حالاً من التشتت في التعاطي مع تفكيك الفكر الداعشي في بيئاتنا الثقافية وبخاصة الدينية، ولا شك أن هناك جهوداً للرصد الإلكتروني لملاحقة أصحاب هذا الفكر، والتي قد تحبط العديد من مخططات «داعش» الإرهابية، ومن آخرها مركز «اعتدال» الذي أعلن عنه في الرياض على هامش القمة العربية الإسلامية – الأميركية، وبعد ذلك الاتفاق الأخير لمجموعة الدول السبع الذي عقد في إيطاليا على وثيقة لمكافحة الإرهاب. يمكن القول إن هذه المبادرات بدأت في التعاطي مع الجانب الفكري الداعشي والتصدي له في فضاء الشبكة المعلوماتية.

هناك مؤسسات في عالمنا العربي والإسلامي عليها دور كبير في حماية الإسلام من جماعات متشددة أنتجت لنا الفكر القاعدي ومن ثم الداعشي، والبعض من المحللين والمتابعين للأسف يستشرفون المستقبل المظلم لمجتمعاتنا بأشكال أخطر من «القاعدة» و«داعش»، هذه المؤسسات هي الإعلام والتعليم، وقد تكون السيطرة على الفضاء الإعلامي من الصعوبة إلى حدٍّ كبير مع الثورة المعلوماتية التي نعيشها، ولكن تبقى مسؤولية الإعلام مهمة جداً في تعرية هذا الفكر «الشاذ» بكل الأشكال، وأتذكر في محيطنا المحلي كيف فضح وأثّر برنامج كوميدي في تعرية هذا الفكر الظلامي، ولكننا للأسف نجد الحروب المنظمة من أتباع التنظيمات «الإسلاموية» التي هاجمت وتهاجم مثل هذه البرامج والمحطات التي تبث تلك البرامج. إن مثل هذه التنظيمات وأتباعها لا يقلون خطراً عن تنظيم داعش، لأن مصالحهم السياسية تتحقق في الفوضى الأمنية والفكرية جراء الأعمال الإرهابية.

يجب علينا العمل على مناقشة وتشخيص حال بعض الدعاة في مجتمعاتنا وتحديد دورهم، وألا تكون هذه المجتمعات تحت رحمتهم واختلافاتهم الضيقة في تفسير النصوص الدينية كلٌّ لمصلحته، والضحية شعوب منطقتنا والعالم أجمع، وقد لا أستغرب أن نشهد قوانين دولية تقر من المنظمات العالمية كمجلس الأمن تحدد صيغاً للدور الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، وكلنا نقرأ في الفترات الماضية عن حوارات وجدل حول الإسلام الفرنسي والأميركي، فالعالم المتحضر لن يسكت عن محاربة هذا الفكر الإرهابي، وآلياته ستكون مختلفة عمّا نعمل نحن في مجتمعاتنا. نحن نعيش حالاً معقدة لعلاقة الدين والدول وحال الاشتباك بينهما، حتى إن البعض يرى الحل في الدولة المدنية في مجتمعات تتكون من أديان ومذاهب وأثينيات متعددة، وأن تكون دولة المواطنة هي الأساس بغض النظر عن هذه التنوعات، وقد تكون علاقة الدين والحداثة هي أساس المشكلة على رغم تمتع شعوبنا بمنتجها، إلا أن حالتها الفكرية والمعرفية غارقة في الماضي السحيق.

نقلا عن الحياة