التضخم والنمو الاقتصادي

التضخم والنمو الاقتصادي

يتوقع أن يشهد الاقتصاد المحلي تحولات بالغة الأهمية، بدءا من مطلع النصف الثاني للعام الجاري وما سيليه، يقودها تحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا وتحصيل رسوم العمالة الوافدة، سبقها بالطبع بدء تطبيق الضريبة الانتقائية خلال الشهر الجاري، التي ستؤدي مجتمعة إلى عكس اتجاه معدل التضخم من مستواه السالب خلال الأشهر الماضية (- 0.6 في المائة بنهاية أبريل الماضي)، ليدخل مرحلة تصاعدية لعدة أعوام قادمة، قدر صندوق النقد الدولي صعوده قبل نهاية العام الجاري إلى 3.8 في المائة على أقل تقدير، مقابل نمو حقيقي للاقتصاد لا يتجاوز 0.37 في المائة، ويواصل التضخم صعوده خلال 2018 إلى أعلى من 5.1 في المائة، مقابل نمو حقيقي للاقتصاد بنحو 1.3 في المائة، وهو العام الذي سيشهد مطلعه (يناير 2018) بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة (5.0 في المائة)، على جميع المنشآت والمؤسسات التي تزيد إيراداتها على 375 ألف ريال، بما في ذلك البقالات والبناشر والمنشآت الصغيرة، الذي لا شك أنه سيدفع بمعدل التضخم نحو مستويات أعلى، قد تفوق حتى تقديرات صندوق النقد الدولي التي وضعها قبل نيسان (أبريل) 2017.
بالنظر إلى التقديرات الراهنة حتى نهاية 2022، التي تتحدث عن استقرار معدل التضخم في مستويات أعلى من معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد، فإنه يعد تحديا تنمويا جسيما، سيكون له آثار مؤلمة على الاقتصاد والقطاع الخاص تحديدا، والمجتمع بوجه عام، وسينظر إلى ما سيؤول إليه معدل البطالة بين العمالة الوطنية، واحتمال تأثره سلبا مع حالة الانكماش المتوقعة على أداء منشآت القطاع الخاص، التي ستواجه تحديات جسيمة خلال الأعوام القليلة القادمة، بدءا من ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة تحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا، إضافة إلى ارتفاع تكلفة تشغيلها للعمالة الوافدة، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة، وانعكاس كل تلك المتغيرات على هوامش الأرباح المهددة بالانكماش، ما قد يضعف قدرتها على توليد الوظائف أمام الباحثين عنها من المواطنين والمواطنات، دون أن ننسى الانكماش المتوقع في القوة الشرائية؛ نتيجة إما انخفاض عدد السكان غير السعوديين لعديد من الأسباب المعلومة لدى الغالبية، لعل من أهمها ترحيل شريحة واسعة من العمالة الوافدة أسرها المرافقة، أو إعادة أرباب الأسر من السعوديين جدولة إنفاقهم الشهري، نتيجة الارتفاع المرتقب على تكاليف المعيشة نتيجة لتحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا والضريبتين الانتقائية والقيمة المضافة.
هنا؛ يجب الإشارة إلى أن قدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل أو التكيف مع معدل تضخم مرتفع نسبيا، مرتبطةٌ بدرجة كبيرة جدا بمعدل النمو الحقيقي للاقتصاد، وكما تظهر المؤشرات الراهنة في ظل معدل سلبي للتضخم، مقابل معدل نمو اقتصادي متدن جدا؛ أنه ترك آثارا عكسية في الأداء الاقتصادي عموما، وفي القطاع الخاص على وجه الخصوص! فما بالنا والحديث مستقبلا يأتي حول معدل تضخم سيتجاوز نسبة 5.0 في المائة على أحسن التقديرات، بالتزامن مع معدل نمو حقيقي للاقتصاد أدنى منه، أو حتى قد يأتي أدنى من معدلاته المتدنية الراهنة، وهو احتمال يجب عدم استبعاد حدوثه. هذا بالتأكيد؛ يتطلب استعدادا عاليا جدا من قبل الأجهزة القائمة على السياسات الاقتصادية عموما، وسرعة استجابة من قبلها في وقت مبكر إذا دعت الضرورة، عدا أنه يتطلب قبل كل ذلك الضرورة القصوى لأخذ كل تلك التوقعات والاحتمالات في عين الاعتبار منذ الساعة، وبذل مزيد من الدراسة والبحث والتقصي على المستويات كافة قبل اتخاذ أي إجراء في هذا السياق، وأهمية تنفيذ سياسات تحرير الاقتصاد الوطني، وتطابق ضرورة تحقيق تلك السياسات والبرامج والاتفاق عليها من قبل أغلب الاقتصاديين والمختصين، وانحصار نقاط الاختلاف -إن وجدت- حول آليات التنفيذ فقط.
إنها الإجراءات والسياسات الاقتصادية التي لابد من اتخاذها، لأجل تحرير الاقتصاد الوطني وتنويع قاعدته الإنتاجية، وللعمل على تحوله من الاعتماد المفرط والمعمم على سياسات التحفيز والدعم الحكومي، إلى بيئة أعلى إنتاجية وتنافسية، وأكثر تنويعا لقاعدة الإنتاج المحلية. سيتزامن مع بدء الحكومة إجراءان؛ الإجراء الأول المتمثل في بدء عمل حساب المواطن، الذي يستهدف تقديم الدعم النقدي الشهري والمباشر لأفراد المجتمع المستحقين وفق ما أعلن، بهدف امتصاص الآثار التضخمية المتوقعة والمذكورة أعلاه. الإجراء الثاني المتمثل في توفير الدعم لمنشآت القطاع الخاص خلال الفترة القادمة، المقدر أن يصل إلى نحو 200 مليار ريال حسبما أعلنت وزارة المالية مطلع العام المالي الجاري، ويؤمل أن ينجح هذان الإجراءان في مساعدة الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، على امتصاص مختلف تلك الآثار العكسية.
إن ما قد يضاعف من وقع تلك الآثار العكسية على الاقتصاد والمجتمع، أن تنفيذها سيأتي خلال فترة زمنية وجيزة جدا، مقارنة بنحو نصف قرن مضى على الوتيرة التي اعتاد اقتصادنا العمل عليها، الأمر الآخر أن تلك التحولات ستشهد تدخلا حكوميا أدنى بكثير مما اعتاد عليه الاقتصاد سابقا، وهو الذي يمس منشآت القطاع الخاص، سواء عبر ترشيد الإنفاق الحكومي الذي ظل يلعب دورا رئيسا لا يستهان به في الاقتصاد الوطني طوال العقود الخمسة الماضية، أو عبر السحب التدريجي خلال فترة قصيرة لمختلف أوجه الدعم والتحفيز، وتزداد وطأة المتغيرات الراهنة والمستقبلية، أنه عوض عن كل ذلك (الدعم الحكومي)، ستتحول الكفة إلى زيادة اعتماد الإنفاق الحكومي على العائدات المحصلة من القطاع الخاص، وهو على العكس تماما من العلاقة طويلة الأجل التي كانت قائمة بين الحكومة والقطاع الخاص.
نقف أمام خيارين بالغي الصعوبة، إما الاستمرار على المنوال التقليدي السابق، وهو الخيار الذي أصبحت نهايته الكارثية مشاهدة للجميع، ولا يمكن بالتالي الاستمرار عليه أكثر مما وصلنا إليه حتى تاريخه. أو العمل على تنفيذ الخيار الآخر الجاري العمل عليه الآن ومستقبلا، وفق برنامج التحول 2020 وبقية برامج “رؤية 2030″، وتحمل آلامها الآنية فترة محدودة من الزمن، ومن ثم حصد نتائجها لاحقا بمشيئة الله تعالى، والخروج تماما حينئذ من عباءة الاعتماد المفرط على عائدات النفط، إلى الاعتماد على إنتاجية الاقتصاد الوطني وتنويع قاعدته الإنتاجية، وإن الحديث هنا يذهب إلى بحث خيارات التكيف مع تلك المرحلة القصيرة القادمة، وهي كثيرة وعديدة يمكن لها أن تسهم بصورة كبيرة جدا في تخفيف آثار تلك الصدمات العكسية، وفي الوقت ذاته يمكن لها أيضا دعم برامج وسياسات التحول المنشود، وزيادة عائداته اقتصاديا وماليا، لعل من أهمها في الوقت الراهن الإسراع بإصلاح تشوهات السوق العقارية المحلية، وضرورة تنفيذ سياساتها بمزيد من الحزم والقوة والجدية، ستأتي نتائجها الإيجابية على زيادة عائدات الميزانية الحكومية، وفي الوقت ذاته ستخفض كثيرا من معدل التضخم، الذي كان أهم مصدر له طوال العقد الماضي وما زال؛ الغلاء الفاحش لأسعار الأراضي والمساكن، وما ترتب عليه من ارتفاع بالقدر نفسه أو أعلى نسبة لتكلفة الإيجارات باختلاف أنواعها، وهو ما سيمتد الحديث عنه بمشيئة الله تعالى في المقال القادم. والله ولي التوفيق.

نقلا عن الاقتصادية

التعليقات مغلقة.

تعليق

  • 1
    ابو دلامة

    اذا قالوا لك اهل القلم تصبر خمسين سنة قل نعم اصبر خمسين سنة
    كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام
    الارض للوطن والمواطن
    تسربو من الحدود

    الان فهمت خالد بن جادل