أبواق قناة “الرأي والرأي الآخر”!

أبواق قناة “الرأي والرأي الآخر”!

كيف يملك المال القدرة على الانقلاب على الذات والتفنن في مهارة ارتداء الأقنعة والتحول من فكر إلى فكر ومن تيار إلى تيار؟! كيف استطاع المال القطري استخدام خليط متنوع من المعتقين في الأفكار القومية واليسارية والعلمانية من عرب الشمال أردنيين وفلسطينيين وسوريين، ومن مصر وتونس والجزائر، ثم أعاد مال الغاز القطري المسال إلى إسرائيل صياغة ذلك الخليط القومجي واليساري والمسيحي الأقرب إلى الليبرالية في خطاب اتسق مع أفكار حمد بن جاسم وأميره حمد بن خليفة التي ترى أنه لا يمكن القبول بوضع قطر الحالي المنزوية في لسان ضئيل من الخليج مهمشة لا دور لها من دولة قارة هي المملكة العربية السعودية تتحكم في التوجهات السياسية والاقتصادية لدول الخليج – كما يزعم حمد بن خليفة وحمد بن جاسم الممتلئان بهذه الأفكار الضلالية الخاطئة – قبل أن تتضح أو تنضج الرؤى الأمريكية في عهد بوش الأب الذي بدأ الخطوة الأولى التمهيدية للمرحلة التالية التي نفذها ابنه بغزوه العراق وتدميره وتسليمه لإيران وبدء تكون الجماعات المتطرفة في العراق، ثم أوقد النار خلفه أوباما ببدئه الخطوات العملية لخلق الفوضى في فترة رئاسته الأولى وعملت وزيرة خارجيته كوندا على ترجمة الخطة عمليا تحت شعار «الفوضى الخلاقة» وما نتج عنها من تدمير أربعة بلدان عربية تدميرا تاما، وكانت الخطة تقوم على ألا تتوقف الحرائق عند أربعة بلدان؛ بل لابد أن تشمل المنطقة كلها لهدم كل ما هو قائم من أنظمة وقيادات سياسية وخرائط بلدان ثم إعادة رسمها من جديد على أسس مختلفة تنهض على التوزيع القبلي والإقليمي والشعوبي والديني والطائفي.
كان الحمدان يعملان على التغيير ومؤمنان بضرورته؛ ولذلك التقى الطموح القطري مع أهداف التوسع الإسرائيلي والرؤى الأمريكية في عهد بوش الابن وأوباما، وتم انقلاب حمد على أبيه خليفة للبدء في تنفيذ خطة التغيير، وكانت فكرة قناة الجزيرة جاهزة في مخيلة الحمدين، ثم استغلا فرصة إغلاق القناة الناطقة بالعربية في تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانيةbbc التي انطلقت على شبكة أوربيت عام 1994م ثم أوقفت؛ لإخلال القناة بالتعهدات التي التزمت بها رقابيا بعد سنتين من انطلاقها، ووجد مذيعو البي بي سي في دعوة قطر للعمل في «الجزيرة» إغراء ماليا كبيرا وتعويضا عن إخفاقهم السابق في أوربت، وإضافة إلى الإغراءات المالية الكبيرة وجدوا في أفكار الحمدين التقاء مع ما يؤمنون به من أفكار ثورية ونقمة على الأنظمة السياسية القائمة بدوافع من مشاعر نقمة تتأجج في نفوس كثير من مثقفي عرب الشمال تجاه عرب الجزيرة العربية، وتلك لوثات قومية زرعها في وجدان شباب الستينيات الميلادية من القرن الماضي الخطاب القومي الناصري، ووجد المعتقون من مذيعي الجزيرة في الجزيرة فرصة للتعبير عن احتقاناتهم النفسية على المملكة، وكأن غاية القناة وهدفها الرئيس النيل من المملكة والعمل على تأجيج المشاعر المضادة لسياستها والاحتفاء بالمنشقين والموتورين، بحيث أصبحت القناة منذ انطلاقتها في الأول من نوفمبر 1996م منصة حرب إعلامية ضد بلادنا من خلال الخبر أو الحوار أو التقرير.
هذا من الجانب التاريخي لإنشاء القناة، وهو إيجاز لا تسمح بأكثر منه هذه الزاوية؛ لكنني أعود إلى التساؤل عن كفاءات إعلامية موهوبة كانت تحلق في فضاء إذاعة لندن العربية وكان لهم جمهور عربي عريض لم ينزلقوا أو ينكشفوا أو يستطيعوا الظهور بأفكارهم القومية المحتقنة إبان عملهم في إذاعة لندن؛ بل كانوا مجبرين على الالتزام بخط bbc ولكنهم في الجزيرة تقلبوا كيفما أراد الحمدان؛ فخلال أربعة عشر عاما كانوا ميالين إلى الخطاب القومي الثوري المضاد لأنظمة الخليج السياسية واحتضنوا في الوقت نفسه أيضا خطاب القاعدة وبثوا شرائط أسامة بن لادن وحاوروه بحيث كانت الجزيرة وكأنها قناة القاعدة، ثم بعد 11 سبتمبر اشتغلت القناة من خلال مراسليها على تأجيج الكراهية لمنهج المملكة الفكري القائم على الرؤية المعتدلة، وأظهروا عاليا الصوت الإخواني المتطلع إلى القفز سريعا إلى السلطة في كل عاصمة عربية.. يتبع

نقلا عن الجزيرة