الرئيسية / الانحراف بوظيفة المستشار!

الانحراف بوظيفة المستشار!

الانحراف بوظيفة المستشار!

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

واحد من الآثار السلبية للطفرة الاقتصادية والتنموية التي انطلقت بعنفوان في السبعينات قلما شهدته المجتمعات الأخرى في العالم، كان النظرة الخطأ للوظيفة الاستشارية، ويمكن أن يضاف إليها خطأ مفهوم الخبرة الأجنبية وكيفية توظيفها، إلا أن تلك النظرة الخاطئة والمفهوم الخطأ استمرا إلى الآن، بعد أن أصبحا جزءاً من ثقافتنا المؤسساتية، وجزءاً من التقاليد الإدارية والوظيفية. ولم يكلف أحد ما نفسه يوماً مشقة طرح السؤال حول طبيعة الوظيفة الاستشارية: ما هي؟ وكيف توظف؟ وما هي آليات توظيفها؟ وما إلى ذلك من أسئلة.

نتيجة لهذا الوضع تكرست مفاهيم ونظم توظيف إدارية، قلصت دور ووظيفة المستشار -والخبير الأجنبي أيضاً- في أحد المجالين: التنفيذي أو الشرفي. فبالنسبة لدوره ووظيفته التنفيذية أصبح الخبير الأجنبي أو المستشار، ضمن الهيكل التنفيذي للمؤسسات والإدارات، يقوم بالعمل التنفيذي نيابة عن الكوادر الوطنية التي كان يجب أن يتم إعدادها وتأهيلها للقيام بهذا الدور وأداء هذه الوظائف.

أما النتيجة الحتمية لهذا الانحراف بوظيفة الاستشاري فقد انعكست سلباً في كلا الاتجاهين: اتجاه المؤسسات، واتجاه الكادر الوظيفي الوطني. فعلى مستوى المؤسسات أصبح هذا الخبير جزءاً من منظومة الآلة التنفيذية في المؤسسات، بل وجزءاً مفصلياً لا يمكن الاستغناء عنه، وإلا ارتبكت هذه الآلة واضطرب أداؤها. أما على مستوى الكادر الوطني فقد كان الضرر مضاعفاً، إذ تفشت روح الاتكالية بين العاملين طالما هناك من يقوم دائماً بالعمل. ومن ناحية ظلت البقية خارج الهيكل الوظيفي تنتظر الفرصة التي لن تأتي، طالما هناك من يحتلها من الأجانب، أو الخبرات الأجنبية وبعض المستشارين الذين يؤدون الأعمال التنفيذية.

ولو حاولنا أن نلقي نظرة – ولو عاجلة- على طبيعة هذه الوظيفة (وظيفة المستشار) فسنجد أنها أبعد ما تكون عن الصورة التي تمارس بها، إذ من الواضح ومن دلالات التسمية أن المستشار هو خبير يستعان به، سواء في قطاع التخطيط أو التنفيذ، لمشورته في دقائق القطاع الذي يديره وجوانبه الفنية كافة. وهو، وحتى يستطيع أن يفعل ذلك على النحو الأكمل، ينبغي أن يكون أكثر التصاقاً بالواقع القطاعي (مجال خبرته)، متابعاً لحركته المحلية والعالمية، وعلى اتصال بمتغيراته ومستجداته، إلا أن ما يحدث هنا هو عكس ذلك تماماً، وهنا نأتي إلى مشارف الفهم الخاطئ لهذه الوظيفة، إذ إن أغلب المستشارين تراهم يلازمون المدير في حله وترحاله، ولا يبرحون مجلسه، بل وحتى مجالسه الخاصة، في الوقت الذي يجب أن يكونوا فيه في مواقعهم القطاعية عن قرب، أو في مراكز الأبحاث بحثاً عن المعلومات والدراسات والأوراق العلمية، أو في ورش العمل التي تجمع الخبراء والمختصين في هذا القطاع، ليقدموا من كل ذلك تصورات وخيارات بين يدي المسؤول يختار منها ما يناسب الوضع تماماً.

ولو أجرينا مقارنة سريعة بين عمل المستشار لدينا، وبين عمله في الولايات المتحدة مثلاً، فسنجد فارقاً أو مفارقة غريبة، حيث يتوقف عمل الرئيس هناك أو الوزير أو حتى المسؤول عن إدارة شركة عملاقة على التصورات التي يضعها بين يديه مستشاروه، وإلا فما العبقرية التي يتمتع بها ممثل مثل الرئيس ريجان ليقود أكبر دولة في العالم؟!
المسؤول الناجح -أياً كان موقعه أو قطاعه- هو الذي يختار المستشار المناسب، بينما تكاد هذه الوظيفة، في بعض الوزارات عندنا أن تكون شرفية، يحال إليها في بعض الحالات الأشخاص الذين يتم نقلهم من وظائف إدارية معينة ليعينوا مستشارين، الأمر الذي جعل هذه الوظيفة أشبه بالثلاجات التي تجمد فيها المواد التي لا يراد استخدامها حالياً، لتحفظ هناك إلى حين وقت استخدامها، إلا أن هذا الوضع مضر بشكل مباشر بالشخص المعين على هذه الوظيفة، لأن فيها تجميداً وتعطيلاً لمواهبه وقدراته، والتي قد يفقدها باستمراره فيها إذا طاب له المقام في هذا الظل الوارف.



كاريكاتير
X