لستَ وحدك يا سيد فريدمان

لستَ وحدك يا سيد فريدمان

أنا أيضاً، ومثلي كثيرون – لم يخطر ببالنا قط أننا سنعيش لهذه اللحظة. كنتُ شخصيًا أظن أن ما يحدث اليوم، سيحدث بالتأكيد، لكن في زمن أولادنا. أحيانًا، حين يزداد الطريق وعورة، وتشتد قبضة التطرف والفساد، أعني في لحظات اليأس الشديد، كنتُ أعتقد أنه قد يحدث في زمن أحفادنا. لكن الفرق، أننا انتظرنا من داخل المشهد. شهدنا جيراننا الذين يعتبرون بابنا بابهم، يتفرقون بسبب المذاهب. رأينا المرأة وهي تُلفع بالسواد وتبعد عن الساحة الاجتماعية بكل قسوة. أخذوا النساء اللواتي كن يحصدن في الحقول، أو يصعدن الجبال، أو يرعين الشياه، أو يمتهنَّ التجارة أو يسرن بالشارع. أمهاتنا وجداتنا قلن ذلك. قالت أمي: إن المرأة كانت كالرجل تمامًا. لا شيء يفرق سوى ما لا تطيق بدنيًا القيام به فتتركه للرجل.
رأينا الناس يتحولون لأجهزة تسجيل فقط، يقوم الوعاظ بتلقينهم، أن الموسيقى تؤدي للهلاك. وأن الحياة حالكة، وأن علينا جميعًا، أن ندفن أحلامنا، ونسير بأكفاننا نحو الموت. إنني أذكر ذلك جيدًا، كانت امرأة في حيِّنا، تخبرنا، وكلنا طفلات، أن القبر هو مستقبلنا، وأنه علينا أن نعيش فقط لننجب المجاهدين!
ككاتبة، واجهتُ، مثل كل زملائي الماضين والحاضرين، الذين حاربوا بالقلم أشباح الظلامية والتطرف والتكفير، جبهة من المتطرفين، ممن رشقونا بالشتائم والسباب والتكفير، حاربونا في بيوتنا، مدارسنا، مكاتبنا بل حتى في الشوارع. إننا عشنا كل ذلك يا سيد فريدمان. عشناهُ من الداخل، عشناه بلحمنا وجلدنا، أرقنا ودموعنا، وكاد اليأس أن يطبق علينا، لولا الله، ثم هذا العهد الباهر، عهد سلمان وفارسه النبيل محمد. هذا العهد الذي سمَّيته في مقالك/ بالربيع العربي الحقيقي وهو كذلك. فهو ربيع حقيقي، بلا تدخلات خارجية، ولا دماء ولا قتلى. ربيع أشرق على حين غرة. جعلنا نتنفس الصعداء.
ما فعله محمد بن سلمان يا سيد توماس فريدمان، كما يفعل قائد معركة، حين يقول لجنوده، وهم في غمرة الاحتراب، يغوصون بالعرق واللهاث: «لقد انتهت المعركة». نعم، انتهت. وقد دمرت جيوشهم السوداء بكلمة واحدة. انتصر لنا، نحن الذين كاد يختطف التطرف صبانا وأحلامنا. وقد عشنا لنشهد ذلك.. مثلك، مثلك يا سيد فريدمان.

نقلا عن “الجزيرة”