الرئيسية / للغة المنتصر هي اللغة الأقوى !

للغة المنتصر هي اللغة الأقوى !

للغة المنتصر هي اللغة الأقوى !

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

كثر اللغط حول اللغات الأجنبية في مجتمعاتنا ، وفي جانب من هذا الجدل كان التركيز على مسألة تعليم اللغة الأجنبية في نظامنا التعليمي ، وإلى أي مدى هي ضرورية ؟ ومتى؟ وفي أي مرحلة علينا أن نبدأ تدريسها لتلاميذنا؟.
والواقع أن النقاش إذا ما انحصر في هذا الجانب وحده ، فإنه سيكون سهلا وسلساً ويثير المتاعب ووجع الرأس ، فنحن نعيش في عالم نستورد فيه كل شئ من احتياجاتنا ، ليس المعيشية فقط ، بل حتى والمعرفية ، ونحن باختصار مستهلكون لما ينتجه الآخرون ، وبالتالي فإننا ، وبغرض التواصل الحضاري مع العالم لابد لنا من قنوات لغوية نتواصل بها ، وبالتالي فان تعلم واحدة من اللغات الحية ، على الأقل يعتبر مسألة حيوية وضرورية ، وإلى أن نتطور ونصبح منتجين للعلم فيضطر العالم إلى تعلم لغتنا ، مثلما ينتشر في الغرب الآن تعلم اللغات الصينية واليابانية والهندية، فإننا ، من منطلق مصالحنا الوطنية العليا إلى تعلم اللغات الأجنبية .
قد لا يماري ويعاند كثيرون طالما أن المسألة بهذه البساطة المنطقية ، إلاّ أن ما يثير الدهشة هو فهم البعض منا لهذه المسألة والزاوية التي ينظرون منها إليها ، فهؤلاء- عفا الله عنهم – ينسى الواحد منهم أن اللغة في الأصل واحدة من أهم مكونات الهوية الثقافية للإنسان ، ولكنه يعتبرها مرادفاً للفكر والثقافة والفهم ، وبالتالي فإنك تجده يحشر في ثنايا كلامه جملاً أو كلمات أجنبية ، يؤكد بها تفوقه الفكري والثقافي على محادثه .
وما هو أعجب من ذلك أن يسلم من يجهل لغة أجنبية له بهذا التفوق ، وقد شاهدت بعيني صوراً كاراكتيرية لهذا النمط الغريب من الفهم ، حيث شهد جازما أحد الذين لا يعرفون شيئاً من اللغة الإنجليزية ، لمن حشر كلمة في حديثه ، قائلاً بأن فلاناً هذا يتحدث الإنجليزية “بلبل” أي أنه يغرد بها بطلاقة البلبل ، ولا أعلم كيف استطاع أن يتبين طلاقته اللغوية وهو يجهل اللغة التي تحدث بها صاحبه؟!.
بسهولة تستطيع أن تتبين في مثل هذه المواقف شعوراً بالدونية والضعف وعدم الثقة في الذات وفي الهوية ، وهذا شئ تنبه له من قبل إبن خلدون حين قال بأن المهزوم يميل إلى تقليد المنتصر في كل شئ ، فلغة المنتصر هي اللغة الأقوى ، لأنها لغة الإنتصار ، ولغتنا ضعيفة لأننا ضعفاء وبالتالي هي لغة الضعف والهزيمة ، وهذا قياس يدعو إلى السخرية.
لا أريد أن أؤكد الآن جدارة اللغة العربية وما تتمتع به من إمكانيات تجعلها من أقوى اللغات إذا ما نحن سعينا إلى تطويرها ، فهذا شئ قد قتله اللغويون بحثاً ، ولكن ما هو جدير بتذكيره لمن يحسبون أن إتقان لغة أجنبية هو دليل تفوق علمي ، أن يعرفوا بأن اللغة الأجنبية هي مجرد وعاء ناقل لما عند الآخر من علم أو صنعة أو فكر ، لا أكثر من ذلك ولا أقل .
وأن العربية ، وكذلك كل لغة عند أهلها هي جزء أصيل من هويتها يعتزون بها مثلما يعتزون بدينهم ومعتقداتهم التاريخية والثقافية .
وأن يعلموا – ثالثاً – بأن إتقان لغة الغير لا يمكن أن يدل على ثراء ثقافي أو قوة في الفكر ، فبين “الخواجات” أنفسهم من لا يتقنون لغتهم على نحو جيد ، بينما نحن نظن كل من رطن بلغة أجنبية عالم نحرير ومفكر خطير ، في وقت قد يكون رأسه أجوف تماما من أي علم ، وأظنك تعرف حالات تسبب فيها هذا القياس الفاسد في إحلال قوم في مكاناً غير مكانهم.



كاريكاتير
X