الرئيسية / حقًّا يزداد عالمنا غرابة !!

حقًّا يزداد عالمنا غرابة !!

حقًّا يزداد عالمنا غرابة !!

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

ثمة ظواهر اجتماعية غريبة تكثر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تجدنا نميل إلى التعامل معها بمنطق الإدانة الدينية، مكتفين به، وإذا ما حاولنا مقاربتها تحليليًّا فإننا لا نفعل أكثر من إدخالها في حقل التحليل الديني، وهي مقاربة «كلامية» على أية حال، تنحو إلى الدحض والإدانة عن طريق كشف التناقضات مقارنة بـ»الصحيح» من الدين، ومن أبرز هذه الظواهر والحالات ظاهرة، وفي تاريخ المملكة المعاصر لا تزال كارثة جهيمان في الحرم المكي الشريف ماثلة في الأذهان، وقد كانت في أساسها نتيجة من نتائج ادّعاء المهدوية ذات الجذور الشيعية، ولعلنا ما زلنا نتذكر حادثة الشخص الذي ادّعى النبوة قبل عام، وهو وافد عربي، وتمت محاكمته هنا.
وفي مصر ما كادت تهدأ فتنة عبير المسيحية التي أسلمت لتتخلص من زوجها، وتسببت في كارثة إمبابة، حتى أطلّت على الناس إيمان أبو بكر مصطفى شافعي الطويل المسلمة التي ادّعت إنها رسولة، ونشرت قصتها مجلة «آخر ساعة» في تحقيق صحفي أجري معها في منزل أسرتها في البدرشين بمحافظة الجيزة، وقالت فيه إنها مترجمة، ومعلمة بمدرسة البدرشين الصناعية بنين، تخرجت في قسم التاريخ في جامعة القاهرة، ثم كلية التربية جامعة حلوان قسم اللغة الإنجليزية 2005، ثم في كلية التعليم المستمر قسم الترجمة الفورية من الجامعة الأمريكية 2008، وهي عضو في نقابة المعلمين، وفي جمعية المترجمين المصرية «إيجيتا» التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، وإنها قامت بترجمة ثلاثة كتب حتى الآن هي «نجاح بلا قيود» لنيك وليام، و»مفتاح النجاح» لويليام جيلفور، «السحر وعلم الإعداد» لفياس ليفي.
وقالت إنها ذات يوم سمعت صوتًا يبلغها بأنها رسول، مشبهًا قصتها بقصة نبي الله أيوب -عليه السلام- حيث ابتلاه الله بالشيطان، وتسلط عليه فترة غير قصيرة من الزمن يكيد لها ويدفعها للانتحار»لولا هذا الصوت الذي أتاني وأعلمني أنني رسول»!
القصة التي ترويها إيمان طويلة، ولكنها تنتهي بأن الملاك كان يتصفح معها آيات القرآن، وكشف لها أنه تعرض للتحريف مثلما تعرضت التوراة والإنجيل، ولست هنا بصدد كشف تناقضات هذا الهراء من ناحية دينية، إذ لا أرى ثمة فائدة ولا حاجة لمناقشته من ناحية دينية، ولربما يكون علماء النفس أولى بمعالجة مثل هذه الحالات من الهذاءات المرضية، خاصة وقد اعترفت هي نفسها بتعرضها لعدة أمراض جسدية قاسية، وبعض هذه الأمراض لها انعكاساتها النفسية كما نعلم جميعًا، ومن ناحية أخرى ليس هناك من هو من السذاجة ليعتريه الخوف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفتنة بمثل هذه الهذاءات المرضية التي تدعو للشفقة والدعاء لله أن يشفيها، ويرد لها عقلها، أكثر من الحنق أو الغضب منها، نسأل الله لها الشفاء.
فإذا كان الأمر كذلك ما الذي يدعونا للكتابة عنه؟ ما يدعونا في الواقع هو قلة المقاربات السسيولوجية لمثل هذه الظواهر، فللمسألة جانبها الاجتماعي الذي قلّما يتعرض له الباحثون، لأننا كثيرًا ما نغفل أثر، أو تأثير المناخ، أو الظروف الاجتماعية وانعكاساتها النفسية، ولماذا تأخذ هذه التأثيرات شكل ادّعاء الألوهية، أو النبوة، أو الرسالة تحديدًا؟ صحيح أن الدراسات النفسية في مثل هذه الحالات ضرورية، مثلما هي ضرورية لدراسة وتحليل شخصية الإرهابي الذي يندفع نحو تدمير المجتمع والذات في سبيل فكرة ترسخت في وجدانه وسيطرت عليه، إلاّ أن هذه الدراسات النفسية فيما أتصور لابد وأن تستصحبها دراسات سسيولوجية تتناول المحيط الاجتماعي وتأثيراته النفسية أيضًا. والله المستعان.



كاريكاتير