الرئيسية / من ثقب الطربوش.. لمحات من مجازر “فخري باشا”

من ثقب الطربوش.. لمحات من مجازر “فخري باشا”

من ثقب الطربوش.. لمحات من مجازر “فخري باشا”

بقلم : محمد الساعد

في العام 1434- 2013 كتبت مقالا نشر في موقع العربية نت، عن «جريمة سفر برلك» التي ارتكبها الاحتلال العثماني التركي في حق أبناء المدينة المنورة، كانت الأولى في ذلك الوقت، وأتت بمناسبة مرور مئة عام هجرية على الواقعة، حتى لا ننسى عمليات التهجير القسري التي مورست في حق أجدادنا وأمهاتنا، والأطفال الذين يتموا والفتيات الكريمات اللاتي انتزعن من بيوتهن ورمين في مدن الشام بلا أهل ولا محرم، قصص مروعة من تاريخ قريب شهوده لايزال بعضهم بيننا.

قد لايعلم الكثير أن «أردوغان» عندما غضب لأجل فخري باشا كان يدافع عن جمعية الاتحاد والترقي «العلمانية» التي حكمت تركيا بجانب السلطان العثماني من 1909، أي قبل جريمة سفر برلك بستة أعوام.

في العام 1914-1334 كانت الدولة التركية تئن من وطأة الانهيار الداخلي فالصراعات بلغت ذروتها والحكومة ضعفت ولم تعد تحكم إلا بالاستبداد والحديد والنار.

لعل أكثر شيء كرهه أبناء الجزيرة العربية في حكم العثمانيين، هو أن المحتل التركي لم يكن يتعامل معهم كمسلمين تحت إدارته، بل كطبقة ثانية وربما ثالثة ضمن الشعوب التي يحتلها، يأخذ منهم الزكاوات، ويعيد تدويرها في تركيا، فترى القصور المنيفة والشوارع المعبدة والقلاع الضخمة والمساجد المزركشة في المدن التركية، بينما لايوجد شارع معبد ولا مستشفى ولا مدرسة واحدة، هل هناك بقايا لطريق تركه الأتراك في الجزيرة العربية يشبه تفريعة صغيرة في قرية تركية نائية عبدت بزكاة أجدادنا.

عندما أخذ فرسان العرب قرارهم بالاستقلال عن الأتراك المحتلين لم يكن أمام السلطان العثماني ومعه القادة الشباب في حزب الترقي الذين يدافع عنهم اليوم المستلبون والخونة، إلا إرسال الجنرال فخري باشا، أشرس قواده وأكثرهم دموية.

جاء «فخري» للمدينة ومعه 70 ألف جندي مدججين بالسلاح والمدفعية لهدف واحد فقط، استقطاع المدينة وإلحاقها بالدولة العثمانية وتهجير أهلها، ثم تتريكها بدلا من سكانها الأصليين بادية كانوا أم حاضرة، حتى أنه لم يبق فيها إلا 140 رجلا وعدة نساء.

يرصد مؤرخون سعوديون مرموقون تلك الحادثة على رأسهم الأديب الكبير المرحوم عزيز ضياء، حين كتب سيرته التاريخية «حياتي مع الجوع والحب والحرب»، وننقل هنا ملخصا لها..

«بسبب الحصار تم تهجير عدد كبير من أبناء المدينة المنورة، إلى سورية ومناطق أخرى كانت لاتزال خاضعة لسيطرة السلطنة العثمانية. كانت عائلة عزيز ضياء بين هؤلاء. وهناك عانت العائلة، كما غيرها، حياة قاسية: الجوع، البرد، المرض الذي كان يحصد الناس، فيتم جمعهم في عربات ودفنهم في حفر جماعية…

مع نهاية الحرب العالمية فقدت أربعة من أفرادها، ولم يبق سوى عزيز ووالدته، فقررت الوالدة العودة إلى المدينة ووجدت منزلها فارغا وقد سرق منه كل شيء، وبدأت مرحلة أخرى من شظف العيش، لم تنته إلا مع انتهاء الحرب الأخرى».. انتهى النص.

كذلك ألقى الأديب الكبير محمد حسين زيدان محاضرة قبيل وفاته عن قصة تهجير مجاوري النبي، أورد فيها حكايات يندى لها الجبين لعائلات هجرت من المدينة قسرا على أيدي جنود فخري باشا.

وأورد الكاتب والمؤرخ المرموق محمود صباغ مجموعة من الوثائق المنشورة قبل ما يقارب المئة عام في صحف مكية، أبرزها حديث السيد أحمد صقر المدني عن نكبة قرية العوالي وهو أحد أحياء المدينة، قال فيها: «لقد علم المسلمون ما أصاب المدينة المنورة وأهلها من الكوارث والمحن، وكيف تسلطت عليهم حكومة الاتحاديين بالقتل والسلب والنهب وهتك الحرمات، غير مبالية بشريف لنسبه ولا بعالم لعلمه، بل الغرض الوحيد إفناء العرب أينما كانوا.. خذ واقعة «العوالي» وما ارتكبوه فيها من ذبح الأبناء واستحياء النساء أو قتلهن..

لم يكتفوا بذلك، بل تجرأوا على مقام النبوة، فسلبوا كل مدخرات الحجرة الطاهرة، واتخذوا البقعة التي فضلت على العرش والكرسي ألعوبة، فتراهم يضربون فيها المعول «أي الحجرة» صباح مساء وينقبون الحائط المدار حول القبر طلبا للجواهر والنقود من هدايا الخلفاء العباسيين وأمراء المسلمين، إضافة إلى صعودهم فوق القبة الخضراء لسرقة الهلال المذهب».. انتهى النص.

لم تكتف القوات التركية بما فعلته داخل المدينة، فقد كتب الشيخ محمد الطيب الساسي في صحيفة القبلة بتاريخ 1917، عن تنكيل الجنود خلال حكم فخري باشا بأبناء القبائل والبدو الذين يفدون للمدينة بقليل من الأرز والدخن والذرة وغير ذلك مما انتفع به الناس خلال الحصار، إلا أن الأتراك التورانيين «الظالمين صاروا ينكلون بكل بدوي يأتي بشيء من أسباب المعيشة فيسلبونه ما بيده ويحبسونه ويقتلونه».. انتهى النص

كما أوردت صحيفة القبلة أسماء بعض العائلات المدينية التي رحلت قسرا، واكتفي هنا بسرد الأماكن القصية التي هجروا إليها لنعرف قساوة المحتل، فبخلاف الشام وتركيا هجر الكثير إلى مناطق نائية في بلغاريا مثل «قرق كليسة»، ومدينة «ويزة»، و«لولة بورغاز»، و«بابا أسكي»، إضافة إلى ألبانيا.

اليوم وعلى بعد مئة سنة من تلك الجريمة نحن أمام مأساة أخرى هي قتل أولئك المظلومين مرة أخرى، ليس على أيدي فخري باشا وجنوده، بل على أيدي عبيده الذين يمسحون الدماء ويوارون السيوف والخناجر التي قطعت بها الأوصال، فأي خزي يرتكبونه وأي عار اكتسبوه.

نعم نختلف سياسيا، لكن التاريخ يجب أن يبقى حقيقة لاتمس، أنه خزان البشرية وأي مساس به يهدم التراكم المعرفي والإنساني جميعه، التاريخ مثل الأديان محرم تلويثه أو الجناية عليه، وكما للتاريخ حراسه وسدنته، فللمزورين «مسيلمتهم» الذي يصفقون لكلامه ويعلون مرتبته.

نقلًا عن “عكاظ”



التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

15 - الفجر البعيد
2017-12-26 17:19:28
واللي قاعد يكتب الروهينقا لايصير البرماويه بعد هم أهل مكه، والله كل شي جايز، يا عرب اصحوا، وين قبايل العرب اللي كانت في مكه والمدينه وجده، اختفوا كأن لم يسمر بين الحجون والصفا سامر.
لا يعجبني(0) اعجبني(0)
14 - الفجر البعيد
2017-12-26 17:16:34
أما الحجرة النبوية الشريفة فلقد سرقها الأتراك مثلما سرقت عدة مرات في السابق، ولكن لا أحد يريد ذكر ذلك.
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
13 - الفجر البعيد
2017-12-26 17:15:09
الأن عزيز ضياء الله برحمه صار من أهل المدينه، عجبي، يا أخي افهم التاريخ، الأتراك طردوا أهل المدينه من مئات السنين وهجروهم للبادية ولكن الجهل والتزييف مستمر.
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
12 - مآسي الروهينقا وجرائم فخري باشنقا !!
2017-12-25 16:24:38
مأساة الروهينقا ومآسي جرائم فخري باشا
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
11 - الكتاب والسنة
2017-12-25 16:22:21
نحن العرب روهينقا اجداد اردوعان !!
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
10 - الكتاب والسنة
2017-12-25 16:21:22
نبكي على الروهينقا في بورما ؟! ونسينا أفعال الترك في روهينقا العرب بالمدينة وغيرها
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
9 - الكتاب والسنة
2017-12-25 16:20:02
جرائم الحرب والإبادة لا تتقادم وتبقى آثارها ولو بعد حين
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
8 - الكتاب والسنة
2017-12-25 16:18:51
الارمن وثقوا جرائم الترك في بلدانهم ؟! نحن نرويها روايات من جيل لجيل !!
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
7 - الكتاب والسنة
2017-12-25 16:17:31
لن يكون الأرمن أشجع من بني يعرب
لا يعجبني(1) اعجبني(0)
6 - محماس السادس عشر
2017-12-25 15:41:33
هذا يؤكد ما قلته أمس في تعليقاتي من أن الدولة العثمانية التركية الانكشارية الاستعمارية هي دولة دموية ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية ، يجب أن نسلط الضوء على جرائمها ضد العرب و غيرهم ، مثل الأرمن
لا يعجبني(1) اعجبني(1)
5 - كاوزاكي خضر
2017-12-25 14:30:22
حسبنا الله ونعم الوكيل ف كل منافق يظهر مالايبطن ..اللهم افضحه ع رؤوس الأشهاد مهما علا أو نزل :)
لا يعجبني(0) اعجبني(0)
4 - زهراني
2017-12-25 10:45:36
بني ليبرال وبني علمان يعتبرون الاحتلال الفرنسي والانجليزي واليهودي للبلاد العربية فتوحات وتنوير
لا يعجبني(0) اعجبني(1)
3 -
2017-12-25 10:31:26
كان العرب قبل استعمار أجداد اوردغان لبلادهم قادة الفتوحات وأسود المعارك وبعد 400 سنة من الاستعمار السادي أصيب العرب بداء المازوخية فأصبحوا يتلذذون بمن يهينهم ويذلهم كما هو حال الإخونج والصحونج
لا يعجبني(0) اعجبني(0)
2 - زهراني
2017-12-25 10:10:48
مؤيد لماتقول وبقوة وياليت العرب كلهم يتعاملون مع كل محتل احتل البلاد العربية بنفس الروح ورفض الاحتلال مثل احتلال الفرنسيين والانجليز والايطاليين واليهود في فلسطين لكن كتاب الغفلة يستلطفون احتلال اليهو
لا يعجبني(0) اعجبني(0)
( عدد التعليقات 1,083 )
1 - فهد
2017-12-25 09:51:32
اذا كان الماضي هو من يحدد علاقاتنا مع الاخرين فلا نكون انتقائيين ونحاسب كل دولة بدون استثناء على ماضيها وبما فعلته بنا بالماضي.
لا يعجبني(0) اعجبني(0)

أضف تعليق
كاريكاتير