الرئيسية / بين طلاب الأمس وطلاب اليوم!

بين طلاب الأمس وطلاب اليوم!

بين طلاب الأمس وطلاب اليوم!

بقلم : د. محمد العوين

ليس من باب العجب والافتخار بذوات أبناء جيلي ومن سبقهم من طلاب العلم؛ لا.. ليس هذا ما أرمي إليه؛ بل إن في جيلي ومن سبقه من العيوب والنواقص كثير ربما يخفض كفة ميزانه مع النابهين والموهوبين الجادين من أبناء جيل اليوم الذين أتاحت لهم تطورات الحداثة من وسائل التيسير ما أعان ذوي الهمم العالية منهم على النبوغ والتفوق ، وفرضت عليهم دواعي العيش والتعامل مع حضارة العصر والعمل في الشركات الأجنبية أن يتقنوا لغة واحدة عالمية على الأقل كالإنجليزية مثلا، وربما أجادوا لغات أخرى كالفرنسية والألمانية والإسبانية واليابانية والكورية وغيرها، وقد قابلت عددا من طلابنا النابهين في دول عدة فرأيت من إتقانهم لغات البلدان التي ابتعثوا إليها عجبا، وفي مناسبات علمية مختلفة كلفت السفارة عددا منهم لاستقبال الضيوف ومرافقتهم فكانوا يتحدثون اليابانية أو الكورية أو الصينية بطلاقة وإتقان بطريقة مذهلة توهم من يستمع إليهم أنهم من أبناء تلك البلدان لا طلابا دارسين فيها.

حتى إنني كنت أحدث نفسي بعد أن ينصرف عني أحدهم؛ فأقول: ماذا لو عاد هذا الموهوب من بعثته وقد نقل إلي خبر قرب تخرجه ووجهه طافح بالبشر والسرور ثم لم يجد بابا مفتوحا لوظيفة مناسبة تليق بموهبته وما بذله من جهد ، إنه سيكون حينذاك صريع هواجس محبطة قاتلة ، فكنت أدعو الله بأن ييسر أمر هذه النخب النابهة الموهوبة من طلابنا التي تبهج وتسعد وتضيف لنهضتنا ما نتمنى، ثم أعود فأطمئن نفسي بأن الله لن يخذل أمل مجتهد ، فلكل مجتهد نصيب، وأقطع وساوس الشيطان السوداء وأعود إليهم مادحا مشجعا فاتحا لهم أبواب الآمال المورقة بكل جميل.

ومع كل هذا الثناء على نابهي هذا الجيل الذي تيسر له من علوم العصر وحداثة الحياة ما دفع الجادين منهم إلى التفوق إلا أنني لا يحسن بي أن أغفل عن سير علمية زاكية واجتهاد وثاب في الأجيال الماضية أثمر عن عقول كبيرة دفعت مسيرة النهضة في بلادنا خطوات متقدمة؛ على الرغم من الشح في كل شيء.

فلم تكن الكهرباء تضيء بعض القرى والأرياف في زمن مضى، ولم تكن السيارة ميسورة عند كل أسرة، ولم يكن المال سيالا في كل يد ، فكان الإتريك هو المصباح الذي يضيء ظلمات الليل الحالكة للمذاكرة، ولكن العزيمة والجد والطموح والصبر كانت هي المصباح الحقيقي الوقاد.

كان طلاب جيلي ومن قبلهم يحفظون الكتاب من الجلدة إلى الجلدة ، فعلى سبيل المثال كنا نحفظ ألفية بن مالك وشرح ابن عقيل لها وتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد على الهامش وإعرابه الشواهد من الأبيات، ونحفظ أيضا «زاد المستقنع في اختصار المقنع» للحجاوي. وهذا من باب المثال ليس إلا.

ولكن خلف خلف من بعض المنتسبين إلى طلب العلم بعد تلك الأجيال الجادة السابقة والموهوبين من الجيل الحاضر من لا ينتمي إلا إلى العبثية والكسل والتشتت وضياع الهوية والجهل والأمية وغياب الرؤية وموات الأمل.

نقلا عن “الجزيرة”



كاريكاتير