الرئيسية / لغز عبد الناصر

لغز عبد الناصر

لغز عبد الناصر

بقلم : خلف الحربي

قاد ديغول المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني وأعاد لبلاده مكانتها العالمية المرموقة بعد الكوارث التي عايشتها في الحرب العالمية الثانية، وقاد أتاتورك جنوده لتحرير الأراضي التركية التي أحتلت أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم أطلق مسيرة الحداثة والعلمانية في تركيا الجديدة. أما جمال عبدالناصر فقد خسر في معاركه العسكرية فضاعت سيناء وغزة والضفة الغربية، وتحولت مصر من دولة ملكية غنية منفتحة على العالم أجمع ومتقدمة على الشرق كله إلى جمهورية عسكرية بوليسية لا تستغني عن المساعدات الخارجية، فكيف حاز عبدالناصر على هذه المكانة الأسطورية في نفوس العرب من المحيط إلى الخليج وليس في مصر وحدها؟.
إنها نظرية (لك اللحم ولنا العظم) الذي يقولها والد التلميذ العربي للمعلم في المدرسة، فليس مهما في الذهنية العربية ما يفعله القائد بشعبه: يفقرهم.. يعذبهم.. يلقي بهم في عتمات السجون.. كل هذا غير مهم ما دام هذا القائد يعلن أنه ضد القوى الاستعمارية والصهيونية، إنها الرغبة العجيبة في البحث عن عزة الأمة وكرامتها المسلوبة حتى لو كان الطريق إلى هذه العزة يستلزم إذلال الشعب وإفقاره.. لم يكن عبدالناصر الزعيم العربي الوحيد الذي يلغي كرامة المواطن لصالح الكرامة المنشودة للأمة، ولكنه كان الأيقونة التي ألهمت بقية الزعماء العرب طوال نصف قرن، حيث تهتف الشعوب التي لا تجد قوت يومها باسم ضابطها الكبير وتؤكد أنها تفديه (بالروح.. بالدم)، وتقدم له خيرة شبابها كي يحرقهم في مغامراته العسكرية وحين يخسر المعركة تبدأ الجرائد بإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية والخيانات الداخلية، فتخرج الجماهير مرة أخرى لتهتف أمام قصر الضابط المهزم: (بالروح.. بالدم) كي تقهر الأعداء المنتصرين!.
واليوم في الذكرى المئوية لميلاد جمال عبدالناصر تبدو صورة الزعيم المصري والعربي الأبرز في التاريخ الحديث لغزا يصعب تفكيكه، فهو في أدبيات القوميين العرب قائدا تاريخيا فوق النقد، بينما يظهر في أدبيات الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي كسفاح لا يعرف الرحمة، أما الأجيال الجديدة فلا يعني لها عبدالناصر شيئا، لأنه لم يترك أثرا جوهريا يرشدهم إليه… وهكذا إذا كانت صفحات التاريخ تهتم بصناع الأمل فإن عبدالناصر يكون في مقدمة الصفوف.. أما إذا كانت صفحات التاريخ تهتم بالنتائج على أرض الواقع فإن الأمر لن يكون في صالح عبدالناصر.
رحم الله جمال عبدالناصر فقد كان صرخة صادقة نتج عنها ملايين الصرخات الصادقة والكاذبة في بلاد العرب، وما زال في الحناجر العربية طاقة هائلة لإنتاج المزيد من الصراخ، بينما السواعد العربية ما زالت عاجزة عن الفعل!.

نقلًا عن “عكاظ”




التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

4 - عبدالله مفرح
2018-01-18 10:16:21
مقال موفق ودقيق بكل المقاييس. المصيبة أن الفكرة والنهج والأشخاص يتم إستنساخهم قسرآ وفي كل مرحلة , والأمة لم تجني من هذه القيادات العنترية أية فائدة سوى التخلف والبؤس والسخط الذي يعم عالمنا العربي.
لا يعجبني(0) اعجبني(0)
( عدد التعليقات 2,018 )
3 - رعد الشمال
2018-01-17 19:22:56
يظهر أن الكاتب نسي الجانب الأسود في تاريخ جمال عبد الناصر نسي قصفه لجازان وميدي وخمس مشيط
لا يعجبني(0) اعجبني(1)
2 - ابومازن الصبيحي
2018-01-17 16:48:00
كانوا يضحكون على الشعوب العربية بشعارات رنانه وكان عبدالناصر يعادي البعثيين والملكية وعندما حصلت حرب الايام الستة اين كان قادة عبدالناصر مثل المشير عبدالحكيم عامر في مراقص القاهرة بعد تدمير المطارات
لا يعجبني(0) اعجبني(1)
1 - زائر الظهيرة
2018-01-17 15:56:04
مقال أكثر من رائع ، ماعدا قولك آخر المقال : ( رحم الله جمال عبدالناصر فقد كان صرخة صادقة ... ) بل كان صرخة كاذبة ، أضاع و أضر بمصر و كثير من الدول العربية ، خطب رنانة خدعت و غيبت الكثيرين
لا يعجبني(0) اعجبني(1)

أضف تعليق
كاريكاتير