الرئيسية / عالجنا “العرض” وأهمالنا ” المرض” !؟

عالجنا “العرض” وأهمالنا ” المرض” !؟

عالجنا “العرض” وأهمالنا ” المرض” !؟

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

حجر الزاوية في المفهوم الإسلامي للأمن الذي يتجاوز المفهوم العصري للأمن بمراحل، إنما يتجه إلى معالجة (الأسباب)، ولا يكتفي بمعالجة (أعراض) الجريمة كمرض اجتماعي
ولكي نرى الفرق بين المفهومين نورد ما جاء في دائرة المعارف البريطانية التي عرفت الشرطة بمعناها الواسع بأنها «تعني صيانة النظام العام، وحماية الأشخاص والممتلكات، مما يحتمل أن يقع عليهم من طوارئ أو تصرفات غير قانونية»، أما بمعناها المحدود فإنها «ذلك الجهاز من الموظفين المدنيين المسؤولين عن صيانة النظام، والأمن العام، وتنفيذ القوانين بما في ذلك ضبط الجرائم وقمعها»
ونلاحظ في هذا التعريف أمرين:أولهما: إن الموسوعة قصرت حفظ الأمن على جهاز الشرطة، وهذا لأنها عرفت الأمن سلبا، أو عرفته بالسلب، بأنه (الإخلال) بالأمن، لذلك جعلت حماية هذا الأمن مسؤولية جهاز الشرطة
ثانيهما: أنها حصرت مهمة هذا الجهاز في التعامل مع الجريمة الواقعية والمحتملة، وهذه أيضا مهمة، أو وظيفة بالسلب، تقوم متى ما كانت هناك جريمة.
وهذا مفهوم قاصر من كل النواحي، أو من أي ناحية أتيت
ومقابله نجد مفهوما أكثر شمولية، وأوسع مدى في فعاليته، ألا وهو المفهوم الذي يجعل الأمن مسؤولية الجميع
فكل مواطن مسلم هو رجل أمن في مجتمعه انطلاقا من القاعدة النبوية «من رأى منكم منكرا فليغيره»، ثم تندرج مستويات هذا التغيير ووسائله من «يده» ثم «بلسانه» وأخيرا «بقلبه»، والأخير وصفه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بأنه «أضعف الإيمان»
لأن المسلم في هذا المستوى يكتفي بإدانة واستنكار المنكر بقلبه، فيطهر قلبه منه ومن إثمه، ومما يماثله من عمل، وفي هذا تذكرة له لئلا يقارف هذا العمل، ويتجنبه
البحث في الجذور: هذا الاتجاه يرمي إلى ملامسة «أسباب» الجريمة، وجذورها، أو ملاحقة الجريمة في أطوارها الجنينية الأولى، وهي بعد في رحم المجتمع كخلل في جسده، يضيف إلى الأجهزة الأمنية وظيفة أخرى، وهي التعرف على الأسباب الحقيقية الكامنة خلف الجريمة المعينة باعتبارها عرضا يدل، أو يستدل به، على وجود خلل اجتماعي ما يعاني منه جسد الكيان المجتمعي والوظيفة الجديدة التي يلقيها على عاتق الأجهزة الأمنية، هذا التصور الجديد للأمن يحمل طبيعة معرفية ولنأخذ قضية المخدرات، التي استفحلت وتفشت في مجتمعنا، ومارست ما مارست من دور تدميري في كيان المجتمع جارفة في سيلها المدمر شرائح لا يستهان بها من شبابنا مثلا فتعاطي المخدرات وإدمانها في ذاته ليس هو العلة أو المرض، ولكنه «الأعراض» الظاهرة لهذا المرض بينما يكمن الداء كخلل في بنية المجتمع
إذن يجب أن ينظر إلى متعاطي ومدمني المخدرات من شبابنا باعتبارهم ضحايا خلل ما أصاب المجتمع
ولك أن تسأل: ولكن من أين يأتي هذا الخلل إلى مجتمع مثل مجتمعنا بخصائصه المتفردة بين المجتمعات المعاصرة؟فهو مجتمع – وإن أخذ بأسباب ووسائل الحضارة، وأحدث منجزاتها التقنية- إلا أن نظمه التقليدية ما زالت هي التي تسيطر، وتفرض قيمها، فهو مجتمع يستمد نسيجه الاجتماعي وتماسكه من الدين الإسلامي والعرف العربي العتيد
ومهما قيل عن الطفرة التحديثية في الحياة السعودية اليومية والتي شملت كل مناحي الحياة، فإن المعيار السلوكي للأفراد والجماعات ما زال هو الإسلام وتعاليمه وتشريعاته، ثم العرف الأخلاقي النبيل
لذا فإن تفشي ظاهرة تعاطي وإدمان المخدرات إنما هو مؤشر على خلل أصاب بنية هذا المجتمع
إذن فجوهر المشكلة الأعمق لا يكمن في (المروج) لهذه السموم القاتلة، فهو مجرد (وسيلة) ما كانت لتنجح لو لم تجد بيئة تساعده على تسويق بضاعته، ورواجها
صورة تحتاج لتغيير: إن الانطباع الذي تتركه أجهزة الأمن في الشارع، هو انطباع سلبي، يتمثل في الرهبة والخوف اللذين تبعثهما في نفوس الناس
ويستطيع المرء أن يرصد انعكاسات هذا الانطباع في عديد من الممارسات، أو العادات، التي لا ترجع إلى نقص في (مروة) الناس بقدر ما يرجع إلى الخوف من رجل الأمن
فكم من مرة شاهد أحد المارة حادثا، ولم يتوقف لإسعاف المصاب، خوفا من الشرطة، نائيا بنفسه عن المشكلات والمتاعب التي يتوقعها في حال تدخله النبيل لإسعاف مصاب ينزف! وكم من مرة ابتلع أحدهم شهادته عما شاهد بأم عينيه لذات السبب!الصورة النمطية لرجل الأمن أصبحت هي الوسيلة التي يكبح بها الآباء مشاكسة أبنائهم وعنادهم
فالطفل الذي لا يريد النوم يخوف بالشرطي كي ينام، والطفل كثير الحركة يهدد بالشرطي ليركن إلى الهدوء …وهكذا !
لقد خسرنا بهذه الصورة النمطية التي ترسخت في أذهان الكبار والصغار، للدرجة التي تجعل الطفل الذي يتعرض للتخويف من الأطفال الأكبر سنا يتمثل دور الشرطي، ويتوق إلى أن يكبر ليصبح شرطيا يخيف الأولاد الذين أرهبوه
لقد خسرنا بهذه الصورة النمطية الشرطي – الإنسان- الذي يسهر على راحة الناس، والذي يعينهم عند الحاجة، والذي يترفق بالأطفال ويداعبهم، ويبتسم في وجه الناس
إلا أننا لم نخسر الشرطي- الإنسان- الفرد وحده، بل خسرنا قبله المؤسسة الشرطية، كمؤسسة ذات بعد معرفي كبير مهم، مؤسسة تهتم ببحث المجتمع وخصائصه وتركيبته وكيفية الارتقاء به، وكيفية تفعيل عناصر بنيته الداخلية ليحمي نفسه من الأمراض والهزات التي تفقده توازنه، وتفقده السيطرة على إيقاعات التغيير التي تعصف بالعالم…!
ومضة :
*
عندما تحب الوطن ؛ لا تبحث عن الاسباب التي جعلتك تحبه , ولكن ابحث عما يجعلك تحافظ عليه.



كاريكاتير
X