إنسان.. و «لكن»!

إنسان.. و «لكن»!

لم يكن لي خيارًا، أعني كتابة مقال ساخط كهذا خصوصا، بعد شهر من متابعة أخبار مغتصب وقاتل الطفلة الباكستانية الجميلة زينب، التي وجدوا جسدها الصغير مُدمى في القمامة. لست بحاجة أن أذكر تفاصيل ما حدث. قصة زينب عرف عنها العالم ما يكفي. لكن ليست زينب الصغيرة وحدها. الأخبار حول العالم تعيسة، لدرجة أنني بت أتساءل: ألم تعد الأحداث السعيدة تحدث بعد؟

فتاة هندية تقتل نفسها بعد أن اغتصبها أحدهم وتبعث بالفيديو له. في إندونيسيا، مجهولون يعدمون إنسان الغابة بـ17 طلقة ويقطعون رأسه. حتى أن أليسا سقطت في إحدى حفلاتها إثر إغماءة مفاجئة! يا للأخبار!

تجاهل الخبر الأخير، فالمشكلة تم حلها خصوصًا بعدما كتبت هيفاء وهبي تدوينة تدعو لنظيرتها بالسلامة. رغم أنني أعتقد أن الفتاة الهندية التي صورت نفسها وهي تشرب السم، تتمنى أن يكون أكبر مشاكلها إغماءة وهي بكامل أناقتها.. تجاهل أيضًا ما كُتب هنا. دعنا الآن في هذا الإنسان، متى سيصبح إنسانًا دونما «لكن» تأتي بعدها؟ إنسان وحسب. متى يكف الانتروبولوجيون وعلماء النفس من تبرير الجرائم بما حدث في طفولة الإنسان ولا وعيه؟ متى يكف الإيديلوجيون وغيرهم من تهوين الجرائم ذاتها، ومتى يكف البعض عن ذلك تحت ذرائع دينية وجعلها نوعًا من الجهاد والعبادة؟ متى يكف الداروينيون والفلاسفة من جعل كل تلك الخسة بقايا طبيعية من الحيوان الذي بقي فينا؟ ألا يمكن للبشر في حقبة ما ألا يكذبون، يقتلون، يستغلون، يخونون.. هكذا وحسب؟ ألا يكفي أن نعرف أن تلك قذارات؟ إن الإنسان الحديث اليوم لن يضع كعكة لذيذة في فمه إن عرف أنها فاسدة، لكنه سيستمر بالكذب حتى وإن عرف مدى قبحه. الإنسان الحديث أصبح يغسل يده في اليوم بضع مرات، تمكن من تزويد جدران المطاعم الفنادق بعبوات تعقيم اليدين. حين تركب الطائرة، المضيفة تسرع إليك بفوطة دافئة تغسل بها قذارة يديك، ربما وجهك.. ألا يمكن للمخترعين الاكتراث أكثر بقذارات النفس؟ ألا يمكن لشركات الطيران توفير جهاز تطهير عن الكذب والاحتيال والجشع مثلما تحرص على توفير أكثر المقاعد وثارة وذكاءً؟ أنا متأكدة، أنك حين تتصفح ألبوم صورك القديمة، ستدرك كم بذل العقل البشري من جهود ليصبح جميلاً، ويصبح بيته أكثر أناقة وراحة، حتى المعمار، الحدائق، الجامعات، الشوارع.. كل شيء صار أكثر جمالاً. شيء وحيد لم يعد جميلاً كما كان: الإنسان. كلما زادت ثيابه رقيًا، كلما شاخ جماله الداخلي وفقد رونقه. إلى أين ستذهب أيها الإنسان؟ إن كل هذه الأشياء الثمينة على جسدك ومن حولك لن تصمد طويلاً.. لن تقدر مع تفاقم قبحك أن تستمر في التستر عليك. يومًا ما ستدرك أن ما يستحق أن يشترى بالمال هو الرحمة والصدق والتكافل والإيثار والحب. خصوصًا حين تكون صادقة.

نقلا عن “الجزيرة”