الرئيسية / وماذا بعد الخيط الأبيض..!

وماذا بعد الخيط الأبيض..!

وماذا بعد الخيط الأبيض..!

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

لو لم أكن معايش عن كثب لوقائع ما أحكي لما صدقت من يروي إذا ما روى لي ، فعدم وجود رقابة على أداء مختلف القطاعات ، ومن بينها قطاع الخدمات الطبية الذي أتحدث عنه هنا ، ليس بالشئ الجديد وغير المألوف، فقد كتبنا ، وظلت الصحف وكافة أجهزة الإعلام تتحدث عنه عبر وقائع ووثائق ومستندات مؤكدة ، إلا أننا أحيانا نجد أنفسنا بإزاء وقائع تكشف عن محور مفصلي في قضايا التحايل والفوضى والتلاعب لا تتم عبر عمليات خرق الأنظمة ، ولكنها قضايا مُمَأسسة تتم تحت مظلة الأنظمة.
مواطنة عربية ، مقيمة نظاميا مع زوجها العامل البسيط الذي يعمل في المملكة منذ عقد من الزمان ، شاءت إرادة الله أن تصاب بمرض يستدعي إجراء عملية جراحية لاستئصال رحمها ، ولما كانت تكلفة إجراء العملية بإحدى المستشفيات الخاصة التي قرر كادرها الاستشاري الطبي بجدة والبالغة عشرون ألف ريال تفوق مقدرة الزوج ، فقد لجأ إلى أصحاب القلوب الرحيمة في المملكة الذين أودعوا حساب المستشفى المبلغ الذي قدرته إدارتها لإجراء العملية كاملا.
وعندما بدأت إجراءات العملية أخذت العائلة تفاجأ كل يوم بمطالب جديدة من فحوصات ما قبل العملية إلى مقابلة الاستشاري المشرف على المريضة ولما لم يكن بأيدهم شئ مما تطالبهم به المستشفى يوميا كانوا يوجهون بأن يخصم هذا من المبلغ الكلي المخصص للعملية ، وما حدث بعد ذلك إن العائلة وجدت نفسها قريبا من المربع الأول ، حيث تبخر نصف المبلغ المخصص للعملية قبل أن يتم إجراءها ، ولن نتحدث الآن عن معاناة المريضة طيلة هذا الركض المتواصل ما بين المنزل والمستشفى وما يستنزفه الترحيل باللموزينات التي تخضع مشاويرها لأمزجة السائقين وتقديراتهم الخاصة ، هذا غير معاناتهم بسبب تغيب أطفالهم الثلاثة عن دراستهم طيلة شهرين لانشغال أهلهم بمطاردة العلاج ومحاولاتهم تلبية متطلبات المستشفى التي يتفنن أطباؤها في اختلاق فحوصات جديدة تُدفع قيمتها من التكلفة المقررة للعملية.
ندع كل ذلك جانبا لنتحدث عن الأساس الذي تقوم عليه هذه الممارسات وغيرها وأمثالها ، وفي ذلك قصص تشيب لها الولدان لنكتشف بأنها كلها تتم تحت مظلة الأنظمة ، فنظم التعاقد بين العاملين في القطاع الطبي من أطباء وفنيين بها من الثغرات ما يجعل الطبيب على سبيل المثال يعمل متعاونا مع المستشفى الخاص فيفرض أسعاره ، بينما يأخذ نسبته من قيمة الفحوصات والخدمات التي يحتاجها المريض من المستشفى ، والتي بدورها تضيفها إلى فاتورة المريض ليدفعها عنها ، مما يدفع الطبيب ويغريه بأن يتفنن في اختلاق العديد منها كباب للاسترزاق لا ينضب معينه ، وهذا مجرد مثال لثغرة واضحة في النظام فيما يختص بالحالة التي نحن بصددها الآن . ونواصل.



كاريكاتير