الرئيسية / القفز في الظلام !

القفز في الظلام !

القفز في الظلام !

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

حين نقرر أن دول الخليج العربية تتميز بأوضاع خاصة، فإننا لا نرمي من ذلك سوى إلى تأكيد حقيقة موضوعية لا قيمة خاصة لها في سياق الأحكام القيمية، أي أن هذه الحقيقة لا تثبت أي قيمة استثنائية خصوصا في مجتمعات هذه الدول. إلا أنه بسبب ظروف تاريخية وطبيعية معروفة، أصبحت هذه الدول مناطق جذب للعمالة التي تدفقت نحوها من كل حدب وصوب، منذ أوائل السبعينيات من القرن الميلادي الفائت، وترافق هذا الطوفان مع خطط تنموية طموحة وضعت للحاق بركب التنمية والتحديث العالمي.
زلزال الطفرة
**********
مع المشاريع الاقتصادية والاجتماعية المدروسة بعناية، ومع الخطط العالمية لهذه الطفرة، فإن ما حدث في هذه المجتمعات، كان أشبه ما يكون بقفزة في الظلام.
فمثلما لـ(الطفرة) على المستوى البيولوجي مشاكلها التي يعرفها تماما علماء الأحياء، فإن لها مشاكلها الجمة أيضا على مستوى المجتمعات.ولانملك إلا أن نتوقع قائمة لا تكاد تنتهي من (الآثار) على مجتمع بسيط، سواء في عدد أفراده، أو الرقعة الجغرافية التي يشغلها، أو مدخلاته الإنتاجية، ووسائل الإنتاج، ومستوى الدخل والمعيشة، والعلاقات الإنتاجية، والبنية المجتمعية، حين يتغير كل ذلك، وفى زمن قياسي في قصره ليجد بين يديه مداخيل إنتاجية ضخمة، تحتاج إلى جيوش لاحصر لها كما ونوعا من العمالة التي تحتاج إليها العمليات والمشاريع العملاقة. فتتمدد المساحات المأهولة بالسكان أفقيا، وتنشأ علاقات إنتاج أكثر تعقيدا وتنوعا، وترتفع فيه مستويات الدخل والمعيشة.
لينعكس كل ذلك في بنياته المجتمعية التي أخذت تترتب أوضاعها على نحو جديد، وهذا أخطر ما في عملية التحديث الطفروي.لأن تحديث نظم الحياة اليومية، إضافة إلى (التفاعل) اليومي بين المكونات والثقافات الوافدة الملاصقة لثقافة المجتمع التقليدية، لا شك، سيحدث هزات في جسد الثقافة ونظام القيم المحلية، تحل أثناءها أجزاء من الثقافات والقيم الوافدة في نسيج الثقافة والقيم المحلية، وينتج عن ذلك كائن ثقافي هجين، يطبع بسماته وملامحه كلا من المحلي والوطني والوافد.
شبكة قيم متداخلة
*****************
هذه العملية لن تقتصر على قيم العمل وحدها فيما يظن بعض من ينظرون إلى مجتمعات دول الخليج العربية من زاوية أنها (سوق عمل) فحسب، لكنه ينعكس على مجمل جهاز النظم القيمية، مشكلا نمطا ثقافيا جديدا، لا يعبر عن أي من العالمين، وإن كان ينتمي إليهما معا، أو يستمد جذوره منهما.والحال أن من ينادون بضرورة توطين سوق العمل في هذه الدول يهملون تشريح القضية الأهم، لأنه فى ظل آليات العولمة التي قطعت شوطا بعيدا نحو توحيد نظم العمل، وهجرة الخبرات والعقول، وتوحيد سوق العمل، لم تعد قضية توطين الوظائف بذات الأهمية التي كانت لها قبل العولمة، والتي أخذت تملي نظمها وآلياتها، متجاوزة الإرادات الوطنية إلا أن المشكلة التي تبدو أكثر إلحاحا الآن هي (توطين الحياة) أو نمط الحياة أولا.المطلوب بشكل أكثر إلحاحا هو الاستقرار على نمط ثقافي، والاستناد إلى نمط قيمي واضح ومستقر وثابت، ولو نسبيا، لأن نظام القيم، والجسد الثقافي لأي مجتمع هو في حالة حركة وتغير دائمين.
وما يزيد من أهمية وحيوية هذه القضية طوفان العولمة الذي بدأ يكتسح سيله الهادر كل الخصوصيات الثقافية، وكل النظم التقليدية التي تحقق الاستقرار للمجتمعات.
ومن هذه الزاوية فإن ما نأكله والطريقة التي نأكل بها هما شأن سياسي أيضا. لأن ثقافتنا ونظمنا التقليدية تحدد لنا ما نأكل وما لا نأكل، كما أنها تحدد الطريقة التي (يجب) أن نأكل بها، والطريقة التي لاينبغي لنا أن نأكل بها. ووفق هذا وذاك فإنها تحدد لنا فلسفة الأكل.والآن فإن تغيير الثقافة الغذائية ليس عملا فرديا ومزاجيا، بقدر ما هو عمل سياسي وفلسفي عميق، فهو يتطلب تغييرا ليس في (المزاج) وإنما يتطلب تغييرا في مجمل (الرؤية) الخاصة بالوجود والحياة، وعلاقات الإنسان بنفسه وبالآخرين، وعلاقته بالطبيعة.
وعلى ذلك فإن انتشار مطاعم الوجبات الأمريكية السريعة مثل مكدونالدز وكنتاكي في شوارع عواصم الدول في آسيا وإفريقيا إنما هو مؤشر على تحول خطير في الثقافة الغذائية لهذه المجتمعات، وإن كان هذا التحول ليس أمرا طارئا أو مؤقتا، إنما هو تحول عميق في عقلية الناس في تلك الدول.وبالطبع فإن انتشار هذه المطاعم، المطاعم الشبيهة لها، والتي نحاول تقليدها في كل شيء، بدءا بالاسم ومرورا بالديكور الداخلي وانتهاء بالوجبات التي تقدم، إنما يعني خطوة من الخطوات النهائية، في مشروع (غربنة) أو (أمركة) الإنسان الخليجي، مثلما هو الحال في كل المناطق الأخرى من العالم. ويعني إفراغ الهوية العربية الإسلامية من مكوناتها ومضامينها الثقافية، وإعادة صياغتها وشحنها وحقنها بمضامين وهوية بديلة.فليس مجرد إحلال أو إبدال طعام بنوع آخر منه هو العملية، بل هي منظومة فلسفية متكاملة يتم إحلالها محل التقليدية، ويشمل هذا كافة تفاصيل العملية التغذوية أهدافا ووسائل، وقبل هذا وذاك رؤية.
خـــــاتمة
********
وضمن هذه الحدود أعتقد أن لنا ثقافة غذائية رسخها الدين الإسلامي من أرقى وأسمى الثقافات الغذائية، ولو حاولنا أن ننقب عنها، وهي ليست بعيدة حتى نجهد في التنقيب عنها، فإننا سنجد بين أيدينا نظاما، أعتقد أننا يمكن أن نصدره للآخرين ونرفد به المسيرة الحضارية المعاصرة مساهمة فاعلة.وأتمنى من علمائنا استخلاص هذا النظام من القرآن والسنة بكل تفاصيله وتقاليده.



التعليقات


ملاحظة:لايسمح بالتعليق بعد مرور48 ساعة على نشر المحتوى

1 - حموووووووود
2018-02-16 12:18:22
الاولوية للقضاء على البطاله وتوفير فرص العمل للسعوديين لان اخطر نتائج البطاله هو الفقر وعندها لن يكون هنالك مجال لاختيار نوع الطعام والثقافة التي يمثلها
لا يعجبني(0) اعجبني(0)

أضف تعليق
كاريكاتير
X