الرئيسية / قسوة صاحبة الجلالة

قسوة صاحبة الجلالة

قسوة صاحبة الجلالة

بقلم : فهد الأحمري

الصحافة التي طالما سودت صفحاتها أزمنة مديدة، تناشد الجهات المختلفة بالنظر إلى حقوق الناس ورعايتها والدفاع عنهم، فإذا بها تسقُط في حقوق زميل مهنتها

لا أستطيع تصور أن خدمة 288 شهراً في بلاط «صاحبة الجلالة» لم تتم مراعاتها ولم تشفع لدى تلك الجهة المشغلة بأن تمهل موظفها 12 شهراً فقط ليخرج بكرامته تحت نظام التقاعد المبكر حسب لائحة وزارة العمل التي يعمل منسوبو الصحافة المتفرغون تحت مظلتها بدلا من خروج زميل المهنة من مكتب رئاسة التحرير لينتقل إلى صاحب منقل شوي ذرة على الطرقات، مع الاحترام الشديد للعمل الشريف مهما كانت طبيعته.
الصحافة التي طالما سودت صفحاتها أزمنة مديدة، تناشد الجهات المختلفة بالنظر إلى حقوق الناس ورعايتها والدفاع عنهم، فإذا بها تسقُط في حقوق زميل مهنتها الذي دفعته من الباب الخلفي.
الصحافة التي سطرت صفحاتها بوجوب مراعاة القيم والمبادئ واحترام الجوانب الإنسانية نراها تتخلى عن تلك الآداب الأخلاقية على مرأى من هيئة الصحفيين!
كيف ننتظر من صحفي أن يقدم عملا مهنيا فيه من الإنتاج والإبداع ونحن نضعه أمام حالة، ليست لصحفي مغمور، بل لرئيس صحيفة سابق رغم عطاء 24 سنة مع شهادات تقدير وإنجازات وسيرة مشرفة. إن رعب الأمن الوظيفي غول يقلق صاحبه ويجعله مسكونا باحتمال فقدان العمل ومشاعر عدم اليقين الوظيفي مما يحد من أدائه وإنتاجيته.
في كل دول العالم يوجد لافتة لا يمكن تجاهلها اسمها (الأمن الوظيفي). الأمن الوظيفي ليس مجرد شعار أو كلمة عابرة، بل هو جزء من الأمن الاجتماعي، والذي يؤدي إلى التماسك المجتمعي والانتماء والولاء، وبعدمه تختل المنظومة المجتمعية. لك أن تتخيل مجتمعا لا يحقق لأفراده احتياجاته الفسيولوجية ولا الإحساس بالأمان في مواجهة مخاطر الحياة رغم الانكباب على العمل والإخلاص فيه.
إننا لا يمكن أن نتصور إنتاج فرد ما دون أن يكون تحت تأثير المحفزات الأمنية التي هي جزء جوهري من الاحتياج البشري التي تولد العطاء والإنتاجية. فالموظفون القلقون مما يحمله لهم الغد، وربما الساعات القادمة، هم أقل أداءً في العمل المهني، حاليا، وسيصبحون أسوأ حالا على المدى البعيد، لأنك وضعتهم تحت قسوة الظروف النفسية، ثم تطالبهم بالإنجاز وتأمل منهم الابتكار.
خلق بيئة عمل غير آمنة -بشكل مقصود أو غير مقصود- يُعد أسلوبا تستخدمه بعض المؤسسات والشركات من خلال فرض مطالب إضافية وممارسة ضغوط على الموظفين لأداء أعمال أكثر. وحين تلجأ بعض تلك المؤسسات إلى التلويح بالأمان الوظيفي لغرض التهديد، بدلا من أسلوب التحفيز، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية؛ لأن الموظفين- والحال هذه- يفقدون شعورهم بالالتزام الذي يمكن أن يدمر الثقة في مكان العمل.
على أن فقدان الأمان الوظيفي ينعكس على ضعف إنتاج الفرد وانحدار صحته وتعرضه لأمراض مثل السكر والضغط وغيرهما، إلا أن الأمر يتجاوز تصورنا، حيث يؤدي إلى مشاكل جسدية، يمكن أن تستمر لسنوات بعد ترك الدور الوظيفي، بحسب دراسة أجرتها «فندر الست» عالمة النفس في جامعة لوفين ببلجيكا.
يزداد الأمر سوءا حينما لا يكون للموظف الصحفي «المتفرغ» سلم رواتب، ويشاهد بأم عينه ضحايا الفصل التعسفي لزملاء المهنة، خصوصا المواطنين من قبل بعض المؤسسات الصحفية دون سابق إنذار، رغم أن هذا الإجراء يُعد مخالفا لنظام العمل والعمال برمته، والذي يشترط 3 إنذارات للموظف قبل الشروع في إنهاء خدمته.

نقلا عن “الوطن”



كاريكاتير
X