الرئيسية / رهانات ولي العهد …حضور لم يأت من العدم!

رهانات ولي العهد …حضور لم يأت من العدم!

رهانات ولي العهد …حضور لم يأت من العدم!

بقلم : د. زهير الحارثي

أصبحت المملكة في قلب الاحداث والاسم الأكثر تداولا في الآونة الأخيرة وليس من قبيل المبالغة القول بان بلادنا تعيش لحظات استثنائية وتحولات غير مسبوقة. تأتي ذكرى مرور عام على تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد هذه الأيام كمناسبة نعزز فيها الانتماء والولاء لهذا الوطن الكبير من خلال ترسيخ العلاقة المميزة ما بين القيادة والمواطن. قصة تلاحم كشفتها مواقف وأحداث ليست ببعيدة عنا، لتؤكد أن الوطن غال، وان اللحمة ما بين هذا الشعب وقيادته لا يمكن المساس بها، ولن نفرط في ديننا وقيادتنا وخيراتنا ومكتسباتنا وامننا واستقرارنا. خلال العام الفائت اُتخذت قرارات تاريخية لمن يستوعب ابعادها منها ما هو داخلي وما هو مرتبط بملفات خارجية بهدف حماية امن بلادنا ومصالحها العليا فضلا عن الأوامر الملكية التي صدرت وضخت دماء جديدة في شرايين الجهاز الحكومي تعزيزا للمشاركة السياسية واكمال مسيرة البناء. أحداث كثيرة توالت وبالتالي عناوين لافتة وكبيرة لا يمكن تجاوزها، اهمها تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد اوMBS كما يحلو للغرب ان يناديه. كان ولازال هو الحدث الأبرز بدليل ما تنشره الصحافة العالمية حتى اليوم.

المحطات التاريخية التي عاشتها السعودية

الملك سلمان ببعد نظره وفراسته اختار الامير محمد وليا للعهد فوضع ثقته فيه لينطلق ببلاده إلى مرحلة تنموية كبيرة لمرحلة ما بعد النفط، عناصرها الإنسان والأمن والرفاهية وتزامنت معها السلاسة والانسيابية مع استحقاقات الاسرة الحاكمة كمؤسسة حكم. المحطات التاريخية التي عاشتها السعودية برهنت على الترابط واستباق الأحداث، ما جعل النتائج تأتي مخالفة لكل التكهنات. نستحضر هنا نظام هيئة البيعة في بلادنا الذي شكل تحولاً نوعياً في المشهد السياسي العربي باعتباره منظومة دستورية لحل الاشكالات التي قد تطرأ حين انتقال السلطة في الأنظمة الملكية وتبين ذلك في الطريقة اللافتة في تعيين الامير محمد بن سلمان وليا للعهد التي تمت بموافقة اغلبية هيئة البيعة برقم غير مسبوق ما يعزز الثقة في مؤسسة الحكم ويعكس مدى الاحترام والثقة في إمكاناته والرهان على جهوده لتدشين عهد جديد ومرحلة جديدة.

مرور عام على تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد

إحتفاء السعوديين بذكرى مرور عام على تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد له ما يبرره، فما قدمه لشعبه بدعم خادم الحرمين امر يفوق تصوراتهم واغلب المتفائلين لم يكونوا يتوقعون ان يدركوا هذه الإصلاحات في حياتهم والتي كانت شئيا من الاحلام والخيالات والطموحات. الرؤية الشجاعة والإرادة الجادة والمشاريع المهيبة استطاع من خلالها كلها ان يجعل بلاده تحت الاضواء بشكل ايجابي وبصورة أكثر اشراقا واحتراما وذهولا بدليل الاشادة بخطواته الاصلاحية في عناوين الصحف الغربية. كانت السعودية توصف بأنها دولة شديدة المحافظة الا انها تعيش اليوم حراكا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لتصبح دولة عصرية ومدنية إدراكا من صانع القرار أن ذلك يمثل ضرورة إستراتيجية. قرار التحول يُعد اهم قرار اتخذته القيادة لأنه يعني السيرورة كدولة وتثبيت سلطة الحكم وتعبيد الطريق للأجيال القادمة. في عالم المجتمعات عادة ما تأتي مطالب التغيير من الطبقة الوسطى غير ان الدولة في الحالة السعودية تجدها أكثر تقدما من المجتمع كونها هي التي تسحب المجتمع للأعلى على اعتبار أن الإنسان هو غاية التنمية ومحورها.

في ظل التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية

المقام هنا ليس للإطراء والمديح بل هي قراءة واقعية لما جرى ويجري، فما صنعه ولي العهد من ثورة ثقافية واجتماعية واقتصادية لازالت محل تأمل وجدل ومتابعة لدى كثيرين لا سيما وطموحه يتمثل في الارتقاء ببلاده الى عنان السماء طالما ان شعبه يدعم توجهاته.
في ظل التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية من الصعب أن تقف متفرجاً فلابد لك من المبادرة إن أردت البقاء وهذا ما يفعله ولي العهد ما يعني انه لا يمكن ان تعيش مع العالم وتنافس بأدوات وأساليب قديمة وبيروقراطية عقيمة وممانعة اجتماعية، لذا تبين المسلك الذي يستوجب عبوره والتجاوز من خلاله للوصول إلى شاطئ الأمان فكان الهدف تحول فعلي لإصلاح جذري؛ أي إنتاج وعي ثقافي وتنموي في المنظومة الاجتماعية وتحقيق عيش كريم للمواطنين.

من الأحداث المهمة أيضا تصعيد أمراء شباب في مناصب مهمة بالدولة. كان هدف صاحب القرار من ذلك المحافظة على المكتسبات ودمج الكفاءات والقدرات لخلق صيغة مواءمة تقود البلاد لبر الأمان.و لا ننسى كذلك نجاحات محاربة اوكار الإرهاب فضلا عن حدوث الأزمة القطرية وتغيير بوصلة السياسة الأميركية ومحدّداتها في المنطقة بعد زيارات ولي العهد لواشنطن. ويبقى العنوان الأبرز داخلياً هو (الحرب على الفساد) كما احتفت المملكة بموسم الحج الذي كان ناجحاً ومبهراً. وتأهل المنتخب الوطني لكرة القدم لمونديال كأس العالم بموسكو 2018 ليقدم رسالة حضارية لا تخفى على أحد.

 

فاجئنا ولي العهد كعادته بالإعلان عن مشاريع تنموية ضخمة

وفي خضم الاحداث والتفاعلات فاجئنا ولي العهد كعادته بالإعلان عن مشاريع تنموية ضخمة، فبعد مشروع البحر الأحمر والقدية أُعلن عن مشروع نيوم الطموح وكأن الأمير محمد بن سلمان يضع خارطة طريق لرسم مستقبل المملكة الجديدة. مشاريع قد تكون خيالية للبعض ولكنها نراها ليست مستحيلة وقد بداءت ملامحها تظهر على السطح لتصبح واقعا على الأرض. مشاريع مهيبة لا تبحث عن الشعارات والاضواء بل تهدف للارتقاء بالإنسان السعودي وتصنع المستقبل في قلب الوطن. من يتأمل الابعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لمشروع نيوم الحيوي يلمس ان سعودية جديدة تتشكل الآن ترجمها ولي العهد بقوله رغبتنا في حياة طبيعية وترسيخ لسماحة ديننا وتمسك بتقاليدنا الطيبة والاندماج مع العالم والقضاء على ما تبقى من تطرف وإرهاب”. جاءت نيوم كرسالة للداخل والخارج تعكس طموحات مجتمع واجيال بعد مرحلة طويلة من هيمنة خطاب (الصحوة). التلون المذهبي والثقافي والاجتماعي والرصيد التاريخي لبلادنا وإرثها الضخم وقيمها وطبيعة العقد الاجتماعي ما بين القيادة والمواطنين عوامل ومقومات مهمة تقوي الجبهة الداخلية.

خطوة غير مسبوقة في تاريخ المملكة

ولي العهد قاد في الرابع من نوفمبر حربا ضد الفساد في خطوة غير مسبوقة في تاريخ المملكة في تاريخها الحديث المعاصر. قرار تاريخي لإعادة الامور الى نصابها فكانت صحوة ضد الفساد وإصرار وعزيمة على اجتثاث جذور هذا الوباء. التحدي الأكبر للإرادة السياسية يكمن في خلق بيئة شعبية في مواجهة الفساد وليس الركون إلى المعالجات المؤقتة. بدأت القيادة فعلا في احداث الهزة المطلوبة بخطورة الفساد ومواجهته والان يبدو ان التوجه نحو الولوج الى مأسسة هذه المواجهة عبر قوانين وإجراءات واليات تدفع باتجاه لمواجهة هذا الخطر الحقيقي. خطوة الأمير الشجاعة حديث الناس ولا تزال تتردد اصداؤها في ارجاء الوطن فالرسالة قد وصلت لكل الفئات فلا يمكن لوطن ان يُنجز والفساد ينخر هيكله ولذا لا تسامح مع أي من كان.

الإلتزام كلمة مفقودة في القاموس السياسي القطري

اما ازمة قطر فكانت من الملفات التي لاقت اهتماما إقليميا ودوليا ولكنها تحولت الى قضية صغيرة وهامشية لدول الخليج الثلاث وبات الموقف المعلن للدول المقاطعة واضحا ومعروفا للقاصي والداني. لقد استنفد الخليجيون كل الطرق من أجل إعادة قطر لجادة الصواب وتبين أن الإلتزام كلمة مفقودة في القاموس السياسي القطري. بلغ السيل الزبى ووصلت الأمور إلى طريق مسدود فكان من الطبيعي أن تتخذ تلك الدول من الوسائل المشروعة والقرارات ما يحمي مصالحها وامن شعوبها.

مكانة المملكة تتضح حين التعاطي مع الشأن الخارجي ولعب الأمير الشاب ادوارا رئيسية لتعزيز حضور بلاده في الساحة الدولية. اصبح ملحوظا سلوك النهج العقلاني والمواجهة المباشرة وفهم قواعد اللعبة والانخراط فيها وهذا يفسر بوضوح الحضور السياسي السعودي ومواقفه وتواجده والسبب يعود لمنظومة قرارات ومشاركات عن طريق تفعيل الدبلوماسية الشعبية او البرلمانية ومؤسسات المجتمع المدني والاتجاه بإيجاد مراكز بحثية على مستوى عال تتنبأ بما هو قادم وتساهم في ترشيد القرار السياسي وخلق لوبيات في الدول المؤثرة وتعيين كفاءات بشرية فاعلة وإنشاء غرفة عمليات في الوزارات المهمة تنسق فيما بينها فترصد ما يجري وتوفر المعلومة الدقيقة وذلك لمواجهة الهجمات المسيسة من قبل عدة جهات تقاطعت ما بينها المصالح. هذه الرؤية السياسية شاملة تستبق الاحداث وتحبط المخططات بأدوات وأساليب جديدة.

خلال مراحل تراكمية

الحضور السعودي اللافت لم يأت من العدم بل من خلال مراحل تراكمية وهي التي تبادر لملء الفراغ رغم العراقيل. صارت توجهات السياسة السعودية الخارجية ترتكز على توسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع دول العالم، وتربطها صداقات مع الجميع منطلقة من مفاهيم الاعتدال والعقلانية، ما شكل لها نموذجا في فكرها السياسي. ساهم ولي العهد بجهوده في تصويب العلاقة مع اميركا وفضح السياسة الايرانية وحجم نفوذها في العراق ولبنان واليمن، ولذا المنطقة تشهد تحولا وملامح جديدة سواء لتموضع السياسة الدولية او حتى على مستوى طبيعة العلاقة ما بين العالمين العربي والاسلامي من جهة والغرب من جهة اخرى. الهدف فتح آفاق من اجل مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. هذه الشراكة تعني مواجهة التطرف وترسيخ التعايش والتسامح وايضا تخفيض منسوب الكراهية للغرب وتفهم غربي لحقيقة الاسلام وسماحته ومن الطبيعي ان تكون إيران الدولة الوحيدة المتضررة من هكذا تحول في العلاقات الدولية.

وفي خضم هذه التحديات، تلمح بروباغندا مدروسة تصبّ في خانة الضغوط والابتزاز، تزامنت مع تقاطع مصالح لأطراف وجماعات ودول باستهداف بلادنا. هناك إصرارا ممنهج لتشويه صورة السعودية وقيادتها ومحاولة ابتزازها واضعافها وتهويل وتضخيم ملفات اليمن والشيعة والتطرف وتسيس ملف الحج وغيره واشغالها بقضايا هامشية او اختلاق أزمات مستغلين مناخ الشائعات والفبركات وما تمور به المنطقة من احداث واضطرابات. أضف الى ذلك ان هناك من يحاول تقويض هذا الكيان بطرق مختلفة، وبالتالي بات ترابنا الوطني مهددا من عدة جهات عبر اختراق تركيبته المجتمعية وإثارة الفتنة فيه.

وذاكرة محتشدة وحماسة وطنية لافتة تلحظها في أحاديثه ولقاءاته

الأمير محمد يتسلح بثقة كبيرة وعقلية متقدة وذاكرة محتشدة وحماسة وطنية لافتة تلحظها في أحاديثه ولقاءاته. الامير حسم امره في مشروعه الاصلاحي ولا عودة للماضي وانما المضي قدما رغم المصاعب والعوائق وبالتالي تلمس استشعاره بحجم الأمانة وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه وعلينا ان نقف معه كلنا لان بلادنا وهي في حركتها الدائبة أمامها تحديات جسيمة سواء ما يتعلق بالأوضاع الداخلية التي تستهدف نسيجنا المجتمعي او المخاطر الخارجية ومشاريعها الاقليمية التوسعية التي تستدعي مواجهتها.

مر عام على تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد فكان العنوان الكبير لكل ما حدث ويحدث الان هو التحديث من خلال فرض منطق الدولة التي ترى شئيا قد لا نراه. تحول له مسار ويمر بين اشواك ومصاعب وممانعة وهو امر متصور ولكن هنا تكمن قدرة الزعماء الخالدين. قرارات تخرج علينا ما بين الفينة والأخرى تشعرنا ان بلادنا تتغير فعلا وأننا باتجاه دولة لا تختلف عن الاخريات. الأمير محمد شدد على محاربة التطرف “وأننا لن نضيع 30 عاما من حياتنا لمحاربته بل سندمره الان” مؤكدا اننا نحن نمثل القيم المعتدلة والحق معنا كما قال بمعنى انه لا يمكن لاحد ان يأتي ليزايد علينا فالتوجه الجديد واضح والإرادة السياسية عازمة على المضي به.

رسالة للظلاميين والمتطرفين والمتشددين

في تقديري كانت هذه ابلغ رسالة للظلاميين والمتطرفين والمتشددين الذين اغلقوا البلاد عبر عقود ودمروها ثقافيا وفكريا وادخلوها في حالة من البؤس والانغلاق والكراهية لكل ألوان الحياة والفنون والآداب وكرسوا الفكر الظلامي لأجل اجندتهم. هؤلاء قتلوا الحياة وعشقوا الموت ووفروا بيئة خصبة للحركات المتطرفة. هذه بلادنا التي يجب ان نحافظ عليها، وملكينا المحبوب يقول ان هذه الدولة قامت على سواعد الاجداد فصنعوا الوحدة وحافظوا عليها مشددا على تعزيز الوحدة الوطنية مؤكدا اننا جزء من هذا العالم ولدينا تحديات وعلينا مواجهتها بشجاعة.
نعيش هذه الاجواء الاحتفالية ونلمس تلاحم القيادة والشعب وهي معادلة فريدة رغم واقع المنطقة وتسارع والمتغيرات، لأنه بتحليلها معرفياً واجتماعيا، يمكن فهم نجاح التجربة الوحدوية للمؤسس واستمرارها في منطقة لم يُعرف عنها سوى التوتر وعدم الاستقرار.

كتبه الدكتور زهير الحارثي رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى



آخر تعليق
بواسطة : بأشتري نادي في الارجنتين

الارتماء في الاحضان شيء عادي ....

بواسطة : اذكرواالله -صلواعلى الرسول صل الله عليه وسلم -

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم -...

كاريكاتير
X