الرئيسية / ودارت العجلة..

ودارت العجلة..

ودارت العجلة..

بقلم : د. زهير الحارثي

المسألة لا تتعلق بقيادة السيارة في جانبها الفني وإن كانت مهمة وإنما في عزم الدولة على إصلاح ما هو قائم لتجسيد معنى المواطنة والتحديث والبناء وترسيخ المساواة والعدل بما يحقق المصلحة الوطنية..

وقادت المرأة السعودية السيارة ونبارك لها وقد دخل القرار حيز التنفيذ على أرض الواقع وسارت الأمور على خير ما يرام في سكون وهدوء ودون ضجيج. التهويل والصخب والترويع من هذه الخطوة كان فقط في عقول فئة مريضة تنتمي للظلام وأصحاب رافضي التحديث ومن يقف خلفهم في هدم هذا الكيان أو جره للخلف والجمود. بالأمس انطلقت المسيرة وهذه ليست نهاية الرحلة ولكنها الأميال الأولى لشوط طويل من المنجزات القادمة لهذا الوطن.

القرار التاريخي الذي أصدره الملك سلمان هو قرار تنموي وحضاري وحقوقي يعزز الثقة في دور المرأة كشريك وعنصر فاعل في التنمية وفي صناعة إنجازات الوطن. هي تقف إلى جانب الرجل في القيام بمسؤوليتها المنوطة بها، ودورها مفصلي في هذا الحراك الاجتماعي غير المسبوق. القرار اختزل الزمن والمسافة في آن واختصر عشرات السنين من الجهد والمال لرفع مكانة بلادنا عالياً في المحافل الدولية.
لم يأت رضوخاً لأحد بل انطلاقاً من إرادة سياسية ورغبة شعبية لتكوين دولة مدنية تسير بخطى واثقة نحو آفاق أرحب لحياة كريمة ومستقرة لشعبها. كان حلماً من أحلام الظهيرة الذي لا يلبث أن يتلاشى ولكنه لم يعد كذلك بل أصبح حقيقة، فالقرار تجاوز مضمونه ببعده الحضاري في تشكيل قسمات مجتمعنا. كان أكثر المتفائلين يرون أن الإقدام على هكذا خطوة قد يستغرق سنوات وربما يصل إلى عقد أو عقود من الزمن ولكنها جاءت لتؤكد أن الدولة تتقدم دائماً على المجتمع في تفاعلها الإصلاحي، وأن التحديث المتوازن هو نهج الدولة، وأن الدين الإسلامي لا يعارض التحديث ما أعطى القرار زخماً استثنائياً.
المسألة لا تتعلق بقيادة السيارة في جانبها الفني وإن كانت مهمة وإنما في عزم الدولة على إصلاح ما هو قائم لتجسيد معنى المواطنة والتحديث والبناء وترسيخ المساواة والعدل بما يحقق المصلحة الوطنية.

هذا القرار وغيره يدخل في مفهوم منطق الدولة الذي يؤكد أن التحديث مستمر دون الانسلاخ من الأطر الدينية والمحددات الاجتماعية، وأن ضرورات الدولة والمجتمع حتمت على صانع القرار اتخاذ ما يراه محققاً للمصلحة العامة دون أي اعتبارات أخرى. أهمية مشاركة المرأة في العمل العام سواء كان اجتماعياً أم اقتصادياً أم سياسياً لا تقل عن مشاركة الرجل؛ فهي قد أثبتت حضورها وقدرتها وإمكاناتها في الكثير من المجالات العلمية. هناك من السعوديات المؤهَّلات علماً وقدرة باستطاعتهن تولي مناصب كبيرة في الدولة. أصداء القرار مازالت تتردد في أصقاع العالم.

والاحتفاء الذي شهدناه في وسائل الإعلام العالمية لم يكن مجاملة ولم تدفع له المملكة بل هو إشادة موضوعية وواقعية لما يجري في بلادنا من تحولات ومتغيرات إيجابية وإن كانت تأخرت كثيراً كما تقول، ولكنها تبين أن الملك وولي عهده الأمير محمد بن سلمان عازمان على نقل بلادهما لمرحلة جديدة باتخاذ قرارات مفصلية تعيد المجتمع لتوازنه الطبيعي.

السماح لها بالقيادة هو حق من حقوقها وقفزة كبيرة في تحسين ملف وضع المرأة ما يعزز شراكتها في المجتمع في العملية التنموية وما ينتج عنه من إفرازات ثقافية واقتصادية واجتماعية. الملك سابق الزمن ليرتقي بشعبه لآفاق رحبة، إلا أن البعض ممن لديهم مواقف معينة لم يستسيغوا تلك الخطوة التحديثية الإصلاحية لأنها جاءت بمثابة هدم لمشروعاتهم. هذه الخطوة أكدت أهمية حضور القرار السياسي لأنه أثبت وبالدليل القاطع على أنه قادر على إحداث التغيير متى ما أراد ذلك بغض النظر عن الممانعة الأيديولوجية أو الاجتماعية. رفض التحديث والتطوير ليست مطالبات شعبية بقدر ما هي محاولات هزيلة رافضة لقرارات تنموية وحضارية ما يعني مساساً بهيبة الدولة واستقرار المجتمع، ومنطق الدولة لا بد له أن ينتصر في نهاية المطاف.

آن الأوان لتغيير الصورة النمطية تجاهها، والتعامل معها بوصفها عضواً يمثل نصف المجتمع، والنظر إليها بوصفها فكراً وعقلاً منتجاً، وأنها عنصر أساسي في التنمية، وشريك في المواطنة مثلها مثل الرجل.

نقلا عن الرياض



كاريكاتير