الرئيسية / التطبيب والتبشير في الخليج العربي

التطبيب والتبشير في الخليج العربي

التطبيب والتبشير في الخليج العربي

بقلم : عقل العقل

في تصديره لكتاب «الدكتورة ماري في جزيرة العرب»، يقول الدكتور خالد الجارالله إن منطقة الخليج والجزيرة العربية شهدت أواخر القرن الـ19 بداية وفود إرساليات للتبشير بالمسيحية تبنتها الإصلاحية الهولندية التي تعد إحدى مؤسسات الدعوة البروتستانتية في الولايات المتحدة، واتخذت تلك الإرساليات من تقديم الخدمات الطبية والتعليمية واجهة للتنصير، وأسست لها مراكز في منطقة الخليج من البصرة شمالاً مرورا بالكويت والبحرين وقطر وحتى مطرح ومسقط في عمان جنوباً، ويضيف الدكتور الجارالله أن تلك الإرساليات حققت قدرا من النجاح في التطبيب وباءت بالفشل في مهمة التنصير.

لقد وثّق هؤلاء الأطباء نشاطهم التبشيري وعملهم الطبي والأحوال المعيشية والصحية التي عاصروها بعد قدومهم للمنطقة عام 1892، منها كتاب الطبيب بول هاريسون «العرب في دارهم»، وكتابه الآخر بعنوان: «طبيب في جزيرة العرب»، ومذكرات الطبيب ستانلي ميلري بعنوان: «الكويت قبل النفط».

تصف الدكتورة ماري أليسون مجتمع الكويت في تلك المرحلة بأنه مجتمع متجانس في بداية القرن الـ20، إذ كان شعبها مسلماً عدا استثناءات قليلة وهم في الغالب من السنة، على رغم أنه كان هناك بعض الشيعة الذين قدموا من جنوب العراق وإيران. وتتساءل الطبيبة أليسون ما هو النجاح الذي حققناه في دعوة المسلمين العرب إلى المسيحية؟ تقول: «ربما أفضل من يجيب عن ذلك هم العرب أنفسهم».

كتب شاب كويتي مسلم هو الدكتور عبدالملك خلف التميمي رسالة دكتوراه غير مطبوعة عام 1977 بعنوان: «التبشير في منطقة الخليج العربي.. دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي»، واستنتج الدكتور التميمي عن العمل الإرسالي التنصيري في منطقة الخليج العربي فشل بسبب صعوبات عدة، من أهم أسباب ذلك الفشل؛ صغر حجم طاقم العمل الذي كان لا يتجاوز الـ30 في وقت واحد، بينما كان عدد سكان الجزيرة العربية يبلغ تقريبا 10 ملايين، ويعزو الباحث الفشل إلى أسباب أخرى جغرافية وسياسية ودينية، إذ كان الدين الإسلامي راسخا بقوة لأنه لم يكن مجرد دين، بل كان الإطار الأساسي للحضارة والحكم.

وتصف الطبيبة ماري البيوت العربية في الكويت بأنها في غالبها عبارة عن مبان من طابق واحد تشبه الصندوق من طين مجفف رملي اللون وصخر البحر، ولم يكن في الجدران نوافذ تطل على الشارع، وجذب منظر النساء الأجنبيات وهن يمشين سافرات الوجوه حشداً من الأولاد الصغار وكانوا يتبعوننا بهدوء حتى يصرفهم البائعون، وبعضهم كان لطيفاً وتحدثوا معنا وانهارت مع الأمطار غير المعتادة بعض الجدران الطينية ومات بعض الناس وأطلق الكويتيون على هذه السنة اسم «هدامة»؛ نتيجة ما هدمته أمطار شتاء ذلك العام 1934 من المنازل، وبينما كنا نمر بالقرب من أحد الجدران قال صبي صغير: «لا تقتربوا من هنا، سينهار الجدار»، فقال ولد آخر: «دعهم يذهبون، دع الجدار يقع على هؤلاء المسيحيين الملعونين»، واخترع بعضهم أغنيات مقفاة كان من السهل تأليفها بالعربية:

نصراني ما يصلي *** دجاجة أخير منه

كانت العادات العربية في ذلك الوقت تقضي بالفصل الصارم بين النساء والرجال ما عدا في الحياة العائلية، حتى ان الأقارب من الرجال والنساء لم يكونوا يتبادلون التحية إذا تقابلوا في الشارع، لذا كان مستشفييا النساء والرجال مفصولين على رغم أنهما يقفان جنباً إلى جنب على واجهة البحر.

اللافت في هذه المذكرات؛ الإحصاءات الدقيقة لنوعية الأمراض التي وثقتها الطبيبة والتي كانت منتشرة في الكويت في تلك الحقبة، وكذلك الفشل في تنصير السكان المحليين على رغم الحاجة والفقر اللذين كانوا يعيشونهما، وهذا فيه رد قوي على من يرفعون شعارات الصراع بين الأديان في وقتنا الحالي.

نقلا عن الحياة



كاريكاتير
X