الرئيسية / ألسانان .. أم لسان تريدون؟

ألسانان .. أم لسان تريدون؟

ألسانان .. أم لسان تريدون؟

بقلم : أ.د.صالح بن سبعان

أعلم وربما تعلم أكثر مني، أن كل الأديان والعقائد، بل وحتى الفلسفات الإنسانية الوضعية قد أعلت من مكانة الصدق، بل ورفعته على رأس القيم الأخلاقية.
ولم يكن فلاسفة الإغريق – سقراط وأرسطو وإفلاطون – أول من حاول أن يضع الأسس العقلية ل (المدينة الفاضلة)، أو يحدد معايير الفضيلة وصفات الإنسان الفاضل النبيل.
فهذا الإنسان، وهذه المدينة، ظلت هي حلم البشرية منذ أن خلق الله البشر – بل وغير البشر – على هذه الأرض.
ما بين بابين
*********
ورغم اختلاف رؤى البشر ما بين من يدين بدين كتابي سماوي وعقائد غير سماوية مثل البوذية والكنفوشيوسية، وحتى تلك الوثنية التي تجسد آلهتها في عناصر الطبيعة من شمس وشجر وأصنام حجرية أو طواطم حيوانية، أو في أرواح الأسلاف، إلا أنها تجمع – بلا استثناء – على قيمة الصدق كواحدة، بل وأكبر القيم الأخلاقية.
أتعرف يا هداك الله وإيانا – لماذا؟
لأن إغلاق المرء باب الصدق يدخله في باب أو يفتح في وجهه باباً آخر هو النقيض له، إلا أن ذلك الباب – أي عدم الصدق – يفضي إلى أبواب أخرى كثيرة، بينما الصدق يفتح باباً واحداً لا يضيع المرء فيه بين احتمالات كلها مزالق خطرة.
فعدم الصدق يفتح باب الكذب.
والكذب يفتح أبواباً كلها تفضي إلى الحجيم.. جحيم الدنيا والآخرة.
فالكذب يفتح أبواب: الرياء، والغش، والمراء، والمداهنة، والتجسس، والتحسس، والنفاق، وترصد عورات الناس، وأخطاءهم، وغيرها من الصفات الذميمة والمكروهة والمذمومة.
بينما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، مقابل ذلك (الصدق منجاة) لأن طريقه واحد، سواء في الدنيا أو الآخرة
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} كما قال سبحانه
الابتعاد
وحين سئل صلى الله عليه وسلم إن كان المؤمن يسرق أو يزني قال نعم، يمكن أن يفعل المؤمن، ولكنه حين سئل إن كان المؤمن يكذب قال: لا.
وما هو الصدق
************
ويكاد – بل هو مؤكد – أن الصدق كل لا يتجزأ، فأنت لا تستطيع أن تكون نصف صادق ونصف كاذب. هذه منطقة لا تحتمل التذاكي واللعب على الحبلين.
وقد قالها أبرهام لنكولن الرئيس الأمريكي الذي اشتهر بأنه محرر الرقيق في أمريكا بعد حرب أهلية شعواء في تلكم القارة حين قال: (إنك تستطيع أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت).
أتدري لماذا؟
*********
ما لم يقله – غفر الله له -: لأن الله لم يخلق كل هذا باطلاً، ولأن {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} سورة الزلزلة، وقال جل من قال {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} صدق الله العظيم.
والآن قد يعن لك سؤال: ما الذي تعنيه بهذا الصدق الذي تصدعنا به؟.
كيف نعرفه؟ وكيف نعرف الصدق من الكذب؟ وكيف نتعرف على الصادق من الكاذب؟
الإجابة تبدو كأبسط ما يكون ولا تحتاج إلى (دروس إضافية)، فقط ما تحتاجه هو أن نلجأ إلى المنهج التحليلي المنطقي الذي يستند على أسسٍ معرفية منطقية.
فالصدق قيمة أخلاقية فردية وشخصية، ذات مردود اجتماعي، ثم هي حين تدخل في الحيز الابستمولجي أي (المعرفي) لتكون ذات وظيفة معرفية ثقافية حضارية، يفتح نوافذ ما هو فردي وشخصي على فضاء ما هو كوني.
وهذا ما اتفقت عليه واجمعت كل الديانات السماوية والاعتقادات الأخرى، بما فيها الوثنية والفلسفات الإنسانية كما قلنا.
إلا أن ميكيافيلي الذي أبعد الصدق عن السياسة في كتابة (الأمير)، وأباح الغش والكذب والنكث بالعهود والمناورة، فاتحاً الأفق أمام (الوسيلة) على حساب (الهدف)، لأنه وضع (الهدف) كغاية مهما كانت قذارة (السبل) و(الوسائل) التي توصل الى تحقيقه.
ثم أن الهدف عنده لم يتجاوز سقف (السلطة) فأحدث قطيعة بين (الأهداف) و(الوسائل).
وفيما يبدو لي – والله أعلم من قبل ومن بعد – أنه كان يعبر بصوت عال ومسموع عن بعض الغرائز (الذئبية) في الإنسان، حين تنبهم المسافة أو الفجوة بين رغباته ووسائله لتحقيق هذه الرغبات والأهداف.
والوعي بخطورة هذه الفجوة هو ما يدفعني دائماً لألح على الطلاب في الجامعة، بأن تركيزنا يجب أن لا ينحصر فقط في الأهداف، بل وفي الوسائل التي يجب أو يمكن أن نحقق بها هذه الأهداف.
وهذا واحد من مستويات أو طبقات الصدق العديدة فالصادق مع نفسه، صادق مع واقعه، ومع من هم حوله، أياً كانت درجاتهم: فوقه أو تحته. فالصدق كما قلنا قبل قليل لا يقبل التجزؤ أو التجزئة.
معيارية الصدق
**************
والآن دعنا نعود إلى الوراء قليلاً.
لقد تسألنا عن معيارية الصدق، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع أو الدولة أو الكون؟.
والإجابة، بعد الاستطراد السابق هي:
بما أن الصدق قيمة أخلاقية فردية تتافوت بين شخص وآخر، فإن المعيار الوحيد لها، هو، أن يتطابق سر المرء وجهره، أي عدم إزدواحية شخصية المرء.
وإذا رأيت شخصاً – رجلاً كان أو امرأة – يتحدث بلسانين، أو يتلبس شخصيتين، فاعلم أنه كاذب، وخذ مع كاذب هذه كل ما ذكرت لك من صفات مشينة.
فالصادق هو الإنسان نفسه.
وهو الإنسان الذي تطابق مع نفسه.
فهو في المجلس الرسمي، مثلما هو في مجلسه الخاص، مثلما هو في وحدته مع نفسه، لا شاهد في هذه الحالة إلا الله.
لقد كدت أصعق مرات كثيرة، حين نتداول التحديات التي تواجه الوطن، وما الذي (يجب) علينا أن نفعله في مجالسنا الخاصة.
كان بعضنا يطرح آراء نقدية بمنتهى الشفافية ونحسبه يعبر عن رأيه بدق. وما أن نستمع إليهم في جلسة رسمية إلا وتجد الواحد منهم قد انقلب (180) درجة، فيكيل المدح والثناء مباركاً هذا الواقع الذي وجه صوبه سهام نقد لا يخلو من صدق ومصداقية!.
وتحار: مع من أتعامل.. أشخص البارحة أم اليوم؟!.
هذا شخص له وجهان، ولسانان فهو إذن كاذب ومنافق.
إلا أن الكارثة تتمثل في أن هؤلاء هم الذين يصلون إلى تحقيق أهدافهم الذاتية وطموحاتهم الشخصية، في ظل مجتمع أدمن هذا النوع من الرياء.



كاريكاتير
X