الرئيسية / محطات الوقود الذاتية.. لماذا تأخرنا ؟

محطات الوقود الذاتية.. لماذا تأخرنا ؟

محطات الوقود الذاتية.. لماذا تأخرنا ؟

بقلم : خالد طاشكندي

كاتب في صحيفة عكاظ

خلال أيام ستقوم عدة شركات عاملة في قطاع محطات الوقود بإطلاق الخدمة الذاتية لتعبئة البنزين في جميع محطاتها، وذلك بحسب ما ذكره رياض المالك عضو اللجنة الوطنية لشركات محطات الوقود في مجلس الغرف السعودية لصحيفة «الاقتصادية» الأحد الماضي، موضحاً أن هذه الخدمة ستسهم في توطين فرص العمل وتقليص العمالة الوافدة، وهو خبر سار بلا شك ولكنه تأخر كثيراً جداً بلا أي مبررات منطقية، فمثل هذه الخدمة تطبق في جميع دول العالم الأول منذ سنوات عديدة، وهي مسألة حتمية لأسباب متعددة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الصحي أو الأمني، ولم يكن يبدو أنه توجد أي عوائق تعجيزية تقف أمام وزارة الشؤون البلدية والقروية -وهي الجهة المعنية بذلك- لتنفيذ هذه الخطوة منذ عدة سنوات.

فقبل سبع سنوات، وبتاريخ التاسع عشر من سبتمبر 2011، حسم مجلس الشورى مرجعية الجهة المسؤولة عن محطات الوقود لصالح وزارة الشؤون البلدية والقروية على أن تنتقل هذه المرجعية لاحقاً إلى هيئة عامة مستقلة لمراكز الخدمة ومحطات الوقود المستقلة فور إنشائها، وكانت خطوة موفقة ومميزة من مجلس الشورى بإنهائه في ذلك الحين الجدل الذي كان قائماً لسنوات حول الجهة المسؤولة عن ترخيص ومراقبة ومتابعة مراكز خدمات محطات الوقود التي كانت تشرف عليها أربع مرجعيات وهي: وزارة النقل، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، والدفاع المدني، والمرور، وهو ما تسبب في تشتت التركيز على تطويرها وأدى إلى تدهور مستوى منشآت محطات الوقود وصيانتها وخدماتها بصفة عامة، وذلك بحسب ما أشير إليه في تقرير أعدته لجنة الإسكان والمياه والخدمات العامة بمجلس الشورى في ذلك العام، والتي ذكرت حينها بأن «95% من إجمالي عدد محطات الوقود في المملكة دون المستوى الجيد»، وكانت الإحصائيات المذكورة في التقارير تشير إلى وجود نحو 9 آلاف محطة وقود في المملكة تعود ملكيتها إلى الأفراد بنسبة 88 في المائة، و2 في المائة للشركات، بينما تملك وزارتا المالية والشؤون البلدية 10 في المائة.

وبحسب تقرير نشرته جريدة «الرياض» قبل ثماني سنوات عن هذا الشأن بتاريخ 14 سبتمبر 2010، قدرت فيه إجمالي عدد العاملين في قطاع محطات الوقود بحوالى «400 ألف عامل» من العمالة الوافدة بناء على حساب متوسط عدد العاملين في الوردية الواحدة تقديرياً من 3 إلى 8 عاملين، وهو ما دفع عددا من الاقتصاديين منذ ذلك الحين إلى المطالبة بسعودة هذا القطاع، وإن كان هذا العدد الضخم من العاملين في مجال خدمات محطات الوقود «دقيقاً»، فالمتوقع أن متوسط دخل العامل الوافد في هذا المجال لا يقل عن ألف ريال شهرياً، وهذا يعني أن إجمالي دخل هذه العمالة الوافدة في محطات الوقود يصل إلى 4 مليارات و800 مليون ريال سنوياً وربما أكثر من هذا الرقم، لذلك كانت مسألة تطبيق خدمة التعبئة الذاتية في محطات الوقود أمراً بالغ الأهمية وذا جدوى اقتصادية كبيرة.

كما أن تطبيق «خدمة التعبئة الذاتية» يعد أكثر أهمية من الآراء التي طالبت بسعودة خدمات تزويد الوقود، وذلك نظراً للمخاطر الصحية من العمل في محطات الوقود بشكل دائم بالإضافة إلى مخاطر السرقات التي يتعرض لها العاملون، ولهذا كان التوجه العام في الغرب نحو تطبيق آليات «الخدمة الذاتية» في محطات الوقود، حتى أن هذه الخدمة أصبحت في عدة مناطق من العالم قانوناً إلزامياً مثل «قانون جرانت» في مقاطعة بريتش كولومبيا في كندا الذي يفرض منذ العام 2006 تعبئة العملاء للوقود ذاتياً، ويتم الدفع المالي إما نقداً لدى مسؤولي المحطة أو آلياً من خلال بطاقات الائتمان والصراف الآلي، ونضيف إلى ذلك، أن الكثير من محطات الوقود في الدول المتقدمة توفر خدمة تعبئة الوقود لعملائها برسوم تكلفة إضافية إذا لم تكن لديهم رغبة في الخدمة الذاتية، وهو ما يُعطي الفرصة لتوفير وظائف لهذا الغرض، وهي أقل كلفة بكثير من تشغيل عدد كبير من العمالة لخدمة تزويد الوقود على مدار الساعة.

وكل ما ذكر في حيز هذا المقال، سبق وأن طرحته في مقال نشر قبل سبع سنوات في صحيفة «المدينة» بتاريخ 29 ديسمبر 2011 وطالبت من خلاله بأهمية فرض تطبيق هذه الخدمة على جميع محطات الوقود في المملكة من خلال قرار تصدره الجهات المعنية وليس من خلال إقدام فردي من المستثمرين، وقلت حينها إن «تطبيق خدمات تعبئة الوقود ذاتياً هو حل جوهري تم تنفيذه عملياً في أقطار عديدة متطورة حول العالم سبقتنا إلى هذه التجربة بغرض تقليص العمالة والعبء المادي على المستثمرين والاقتصاد الوطني من ناحية وتخفيض المخاطر الصحية للعاملين في هذه المنشآت من ناحية أخرى،.. الحلول موجودة ونماذجها مطبقة، فمتى نراها على أرض الواقع؟».

لم أكن أتخيل أن مسألة كهذه -نراها بسيطة- كانت ستستغرق طيلة هذه السنوات لتطبيقها على أرض الواقع بالرغم من أهميتها في وقف هدر مالي يقدر بمئات الملايين من الريالات سنويا وكان بالإمكان استثمار هذه المبالغ لخلق وابتكار آلاف الفرص الوظيفية، ولهذا لم يعد لدي أدنى درجة من الشك في أن لدينا خللا كبيرا في مواكبة عجلة التطور وسرعة التطوير في عدد من القطاعات.

نقلا عن عكاظ



كاريكاتير
X